الصفحة 176 من 188

انتزاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لم يَتْرُكْ عَالمًا، اتخذ النّاس رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) [1] .

يقول ابن القيم في (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) : (أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول ـ كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم ـ فهؤلاء أقسام:

-أحدها: الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا ترد شهادته؛ إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم وكان الله عفوا غفورا.

-القسم الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك؛ فهذا مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته؛ فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى: ردت شهادته، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى: قبلت شهادته.

-القسم الثالث: أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى، ويتركه تقليدا وتعصبا، أو بغضا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته: أن يكون فاسقا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل [2] ، فإن كان معلنا داعية: ردت شهادته وفتاويه وأحكامه مع القدرة على

(1) رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

(2) تأمل! وتنبه إلى أن هذا في غير الغلاة، وقد اختار ابن القيم في هذا الباب عدم تكفير المجتهد الداعي إلى هذه البدع من غير الغلاة فيها تبعا لاختيار شيخه ابن تيمية فإنه كان يقول للجهمية: أنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال؛ وقوله هذا خلاف المشهور في مذهب أحمد فإن الصحيح من مذهبه تكفير المجتهد الداعي إلى القول بخلق القرآن أو نفي الرؤية ونحو ذلك وتفسيق المقلد فيها، قال المجد: (الصحيح أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية فإنا نفسق المقلد فيها، كمن يقول بخلق القرآن أو أن علم الله مخلوق أو أن أسماءه مخلوقه أو أنه لا يرى في الآخرة أو يسب الصحابة تدينا أو أن الإيمان مجرد الإعتقاد وما شابه ذلك، فمن كان عالما في شيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره نص أحمد على ذلك في مواضع) أهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت