ذلك، ولم تقبل له شهادة، ولا فتوى ولا حكم إلا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم، وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي رد شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير ولا يمكن ذلك، فتقبل للضرورة.
وقد نص مالك رحمه الله على أن شهادة أهل البدع كالقدرية والرافضة ونحوهم؛ لا تقبل، وإن صلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا.
قال اللخمي: وذلك لفسقهم، قال: ولو كان ذلك عن تأويل غلطوا فيه.
فإذا كان هذا ردهم لشهادة القدرية؛ وغلطهم إنما هو من تأويل القرآن كالخوارج، فما الظن بالجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الثنتين والسبعين فرقة؟ [1] أهـ. (233 - 234)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتكلّم عن أهل البدع: (وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعُباد كُتب عنهم العلم، وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم، لكن من كان داعية إليه لم يُخرّجوا له، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث، كأحمد وغيره: أنَّ من كان داعية إلى بدعة فإنِّه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن النّاس، وإنْ كان في الباطن مجتهدًا، وأقل عقوبة أنْ يهجر فلا يكون له مرتبة في الدين، لا يُؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ولا تقبل شهادته ونحو ذلك. ومذهب مالك قريبًا من هذا ولهذا لم يُخرّج أهل الصحيح لمن كان داعية، ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممّن كان يرى في الباطن رأي القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة) [2] انتهى.
وقال ابن القيم في (الطرق الحكمية) : (وإنما منع الأئمة ـ كالإمام أحمد بن حنبل وأمثاله ـ قبول رواية الداعي المعلن ببدعته، وشهادته، والصلاة خلفه؛ هجرا له وزجرا لينكشف ضرر بدعته عن المسلمين، ففي قبول شهادته و روايته والصلاة خلفه واستقضائه وتنفيذ أحكامه؛ رضى ببدعته، وإقرار له عليها وتعريض لقبولها منه) أهـ. (232) .
(1) الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الثنتين والسبعين فرقة هم غلاة الجهمية، قال ابن القيم في موضع آخر: (وأما غلاة الجهمية فكغلاة الرافضة ليس للطائفتين في الإسلام نصيب، ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة وقالوا هم مباينون للملة) أهـ.
(2) مجموع الفتاوى: (7/ 385) .