وقال ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار) (2/ 181) : (حدثني عبد الله بن عمير الرازي قال: سمعت ابراهيم بن موسى ـ يعني الفراء ـ الرازي قال: سئل ابن عيينة عن الإرجاء؟ فقال:(الإرجاء على وجهين: قوم أرجوا أمر علي وعثمان فقد مضى أولئك، فأما المرجئة اليوم فهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم ولا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم) أهـ.
وقد سأل الكوسج الإمام أحمد عن المرجي إذا كان داعية؟ فقال: (أي والله، يُجفى ويُقصى) [1]
ولذلك فنحن لا نجد حرجًا من التحذير من هؤلاء الدعاة أو الرؤوس، الذين يُرّوجون لبدع التجهّم والإرجاء، وبيان حالهم للنّاس لئلا يغترّوا بهم، خصوصًا وأنَّ كثيرًا منهم يتزيّى ويتستّر برداء السلفية فينتسب ـ زورًا ـ إلى طريقة السلف ليروّج إرجاءه بين الخلق، فإنَّ بضاعتهم الكاسدة لا تنفق إلاّ إذا زخرفت ونسبت إلى سلف الأمّة وثقاة الأئمة.
وهذا كالذي نقله شيخ الإسلام عن بعض العلماء من قولهم: (إنِّما نفقت الأشعرية عند النّاس بانتسابهم إلى الحنابلة) انتهى [2] .
وكذلك أهل التجهم والإرجاء في عصرنا فإنِّهم يُروّجون لبدعتهم بنسبتها إلى السلف والأئمّة، فتجد أحدهم يؤلف كتابًا يُسميه (العذر بالجهل عقيدة السلف) هكذا دون تفصيل ... وآخر يدّعي (إجماع السلف والأئمة على عدم التكفير إلاّ بالجحود والاعتقاد والاستحلال مطلقًا في كل أبواب الكفر) ، فيدخل في ذلك التشريع مع الله، والكفر البواح والشرك الصراح .. وثالث يدّعي (إجماع أهل السُنّة والجماعة على ترك الخروج على الحكام) ـ هكذا مطلقًا ـ حقنًا للدماء ودرءًا للفتنة، دون تفصيل أو تفريق بين المسلمين منهم والكفار ... ودون تمييز بين الظلم والجور، وبين الردّة أو الكفر البواح ...
وقد جنوا بذلك على طريقة أهل السُنّة والجماعة، ومنهج سلف الأمّة وثقاة الأئمّة؛ جناية عظيمة .. وسعوا في تشويههم تشويهًا مشينًا ـ شعروا أو من حيث لا
(1) أعلام الموقعين لابن القيم (4/ 168)
(2) مجموع الفتاوى 4/ 17.