إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وبعد:
فإنَّ الشيخ ناصر الدين الألباني واحد من علماء العصر الذين لا يُنكِرُ فضلهم إلا جاحدُُ أو مكابر؛ فقد خدم الشيخ حفظه الله حديث رسول الله وعمل على نشر السنة وقمع البدعة وإشاعة علم السلف في الأمة نسأل الله أن يجزيه عن ذلك خير الجزاء.
ولكن أبى الله أن تكون العصمة لأحد من البشر إلا لأنبيائه الكرام؛ والشيخ حفظه الله بشر يخطئ ويصيب؛ ولن يُعدم المتعقب لكتابات الشيخ أو أشرطته أن يجد خطأ هنا أو زلة هناك.
ولسنا بحمد الله ممن يتتبع الزلات فيضخمها ويكثر من الدندنة حولها؛ ولذا فلم يكن من ديننا البحث عن مثل تلك الزلات؛ ولكن إن قابلنا شيئ منها أثناء درسنا أو بحثنا أعرضنا عما وجدناه من خطأ وعملنا بالصواب؛ وربما نبهنا على ذلك الخطأ في بعض مجالسنا بقول حسن وأسلوب لين دون ما ضجيج أو تشهير.
بيد أنني سمعت في الفترة الأخيرة شريطًا للشيخ حفظه الله رأيت أنَّ من حق العلم علينا المبادرة إلى مناقشة بعض ما جاء فيه مناقشة هادئة يعلم الله أنه ليس لي من ورائها قصد إلا بيان الحق ومعرفة الصواب.
والشريط المشار إليه عنوانه"من منهج الخوارج"وقد سجل في 29 جمادى الآخرة 1416 هـ الموافق 23/ 10/1995 وهو برقم 830/ 1 من سلسلة"الهدى والنور"كما ذكر في مقدمته.
وفي هذا الشريط يتناول الشيخ ما يحدث في مصر والجزائر من أحداث ويستنكر الخروج على حكام المسلمين اليوم ويفتي في بعض القضايا المتعلقة في هذا الأمر.
وهذه الرسالة التي بين يديك - أخي القارئ الكريم - تتناول موضوعين اثنين لعلهما أهم ما طرح الشيخ في هذا الشريط:
أما الموضوع الأول فهو موضوع الخروج على الحاكم الكافر؛ إذ يرى الشيخ أنه لا يجوز الخروج على الحكام الآن حتى ولو كانوا من المقطوع بكفرهم.
وأما الموضوع الثاني فهو يتعلق بقضية تكفير الحاكم الذي يشرع للناس من دون الله ويلزم الناس بالتحاكم إلى القوانين الوضعية إذ يرى الشيخ أن هذا الحاكم ينطبق عليه ما جاء عن ابن عباس من قوله رضي الله عنهما"كفر دون كفر)."
وفي هذه الرسالة يجد القارئ مناقشة علمية لهذين الأمرين وبيان لوجه الحق فيهما، ثم إني ألحقت بذلك صفحات أخرى حول موضوعات أخرى متفرقة تتعلق بهاتين القضيتين.
والحق أنه من الأمور التي دفعتني إلى كتابة هذه الرسالة أني وجدت الحديث في مثل هذه الموضوعات قد صار سمة عامة في أحاديث الشيخ ومجالسه؛ فلو كان الأمر أمر مجلس واحد عرض فيه الشيخ رأيه لهان الأمر ولكنا وجدنا الشيخ على مدى سنوات مضت قد أكثر من الحديث في مثل هذين الموضوعين ناعيًا على القائلين بخلاف قوله جهلهم وتعجلهم مستعملا في ذلك العبارات الشديدة القاسية؛ بينما لا نجد شيئًا من هذه القسوة على الطرف الآخر وهم الحكام العلمانيون الذين هم السبب الأكبر في بلاء هذه الأمة بما اقترفوا في حقها من إبعادها عن كتاب ربها وسنة نبيها عليه الصلاة و السلام؛ ومن إجبارها على السير في فلك الغرب الكافر والرضا بمخططات اليهود والنصارى.
ولقد كان مما رأيناه من آثار منهج الشيخ هذا أن كثيرًا من الشباب ممن يتبعون الشيخ ويسيرون على نهجه صاروا ينظرون إلى هؤلاء الحكام المغيرين المبدلين لشرع الله على أنهم أولياء الأمور الذين يجب أن نسمع لهم ونطيع وأن الخروج عليهم كالخروج على أئمة المسلمين الأولين؛ بينما نراهم ينظرون إلى إخوانهم الذين يعادون هؤلاء الحكام على أنهم خوارج مبتدعة لا يستحقون إلا الذم والقدح والتقريع، بل ربما ذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك كاستعداء السلطات عليهم وغير ذلك.
ومن هنا فقد رأيت الإقدام على كتابة هذه الصفحات مع ما في ذلك من مشقة بالغة على النفس؛ فإني لم أكن أود يوما أن أقف من الشيخ ناصر حفظه الله موقف الراد أو المعترض ولكنه الحق الذي علمنا ديننا أنه أحب إلينا من علمائنا ومشايخنا والناس أجمعين.
وبهذه المناسبة فإني أود أن أعلن أننا حين نختلف مع الشيخ في بعض المسائل العلمية فإننا نبرأ إلى الله عز و جل من أولئك المبتدعة الذين يعادون الشيخ ويبغضونه لأجل تمسكه بالسنة ودفاعه عن العقيدة الصحيحة؛ ونسأل الله أن يجعل خلافنا معه في إطار أهل السنة والجماعة أهل الحق والعدل الذين هم على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه وأن لا يجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا إنه رؤوف رحيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أبو إسراء الأسيوطي؛ عبد الآخر حماد الغنيمي
مساء السبت 11 من شعبان 1417 هـ
الموافق 21/ 12/1996 م