هذه هي المسألة الأولى التي نود الحديث عنها، فقد سئل الشيخ في أول الشريط المشار إليه عما يحدث في الجزائر من أحداث والموقف الشرعي منه فأجاب الشيخ بأن ذكَّر أولًا بقول أهل العلم"ما بني على فاسد فهو فاسد"وضرب على ذلك مثلًا بالصلاة التي تبنى على غير طهارة وأنها ليست بصلاة، ثم قال الشيخ ما نصه:
(ذكرنا دائمًا وأبدًا بأن الخروج على الحكام ولو كانوا من المقطوع بكفرهم أن الخروج عليهم ليس مشروعًا إطلاقًا؛ ذلك بأن هذا الخروج إذا كان ولابد ينبغي أن يكون خروجًا قائمًا على الشرع كالصلاة التي قلنا آنفًا: إنها ينبغي أن تكون قائمة على الطهارة وهي الوضوء. ونحن نحتج في مثل هذه المسألة بمثل قوله تبارك وتعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} . إن الدور الذي يمر به المسلمون اليوم من تحكم بعض الحكام وعلى افتراض أن كفرهم كفر جلي واضح ككفر المشركين تمامًا، إذا افترضنا هذه الفرضية فنقول: إن الوضع الذي يعيشه المسلمون بأن يكونوا محكومين من هؤلاء الحكام ولنقل الكفار مجاراة لجماعة التكفير لفظًا لا معنى لأن لنا في ذلك التفصيل المعروف فنقول: إن الحياة التي يحياها المسلمون اليوم تحت حكم هؤلاء الحكام لا تخرج عن الحياة التي حياها رسول الله عليه الصلاة و السلام وأصحابه الكرام فيما يسمي في عرف أهل العلم بالعصر المكي، لقد عاش عليه السلام تحت حكم الطواغيت الكافرة المشركة والتي كانت تأبى صراحة أن تستجيب لدعوة الرسول عليه السلام وأن يقولوا كلمة الحق لا إله إلا الله حتى أن عمه أبا طالب وفي آخر رمق من حياته قال له لولا أن تعيرني بها قومي لأقررت بها عينك. أولئك الكفار الصريحون في كفرهم المعاندون لدعوة نبيهم كان الرسول عليه السلام يعيش تحت حكمهم ونظامهم ولا يتكلم معهم إلا أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ثم جاء العهد المدني ثم تتابعت الأحكام الشرعية وبدأ القتال بين المسلمين وبين المشركين كما هو معروف في السيرة النبوية، أما في العهد الأول: العهد المكي لم يكن هناك خروج كما يفعل اليوم كثير من المسلمين في غير ما بلد إسلامي، فهذا الخروج ليس على هدي الرسول عليه السلام الذي أمرنا بالاقتداء به وبخاصة في الآية السابقة {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ... } ) .
انتهى كلام الشيخ ناصر حول عدم مشروعية الخروج على الحكام حتى لو كانوا من المقطوع بكفرهم، وتعليقًا عليه يؤسفنا أن نقول: إن في هذه القطعة من كلام الشيخ مخالفة للنصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ولإجماع أهل العلم من سلف هذه الأمة.
وإليك البيان:
أما مخالفة هذا الكلام للنصوص الشرعية:
أ) فلأن الله عز وجل قد أمر في غير آية من كتابه الكريم بقتال الكافرين:
فمن ذلك قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"الأنفال:39، وقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} التوبة:5،وقوله: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} التوبة:12."
فإذا كانت هذه الآيات وغيرها آمرة بقتال الكفار، وكان الحكام كافرين، فكيف يكون الخروج عليهم وقتالهم ليس مشروعًا إطلاقًا على حد تعبير الشيخ حفظه الله؟
ب) ثم أين يذهب الشيخ من الأحاديث التي تنص تحديدًا على قتال الحكام إذا كفروا:
-كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: دعانا النبي عليه الصلاة والسلام فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) [1] .
-وفي حديث أم سلمة مرفوعًا: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف بريء ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا) [2] .
-وفي حديث عوف بن مالك) .. قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة ... ) [3] .
أوليست هذه الأحاديث نصوصًا قاطعة في مشروعية الخروج على الحكام بالسيف إذا كفروا وخرجوا عن حكم الشرع الحنيف؟
أوليست الحالة التي شرع لنا فيها المصطفى عليه الصلاة والسلام أن نخرج على الحكام هي عين الحالة التي قال عنها الشيخ إن الخروج فيها على الحكام ليس مشروعا إطلاقا؟!
ج) ثم إننا نسأل الشيخ فنقول: أليس كفر الحاكم نوعًا من المنكرات؟ ونحن لا نشك أن إجابته ستكون بلى إنه منكر، بل إنه أكبر المنكرات، ونقول فإذا كان الأمر كذلك فإن رسولنا عليه الصلاة والسلام قد أمرنا بإزالة المنكر فقال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [4] .
وعلى ذلك فنحن مطالبون شرعًا بإزالة منكر هذا الحاكم أي كفره، فإن لم يندفع منكره إلا بقتاله والخروج عليه بالسيف وجب ذلك، قال القرافي في الذخيرة (3/ 387) عند تعداده لأسباب الجهاد: (السبب الأول وهو معتبر في أصل وجوبه ويتجه أن يكون إزالة منكر الكفر فإنه أعظم المنكرات ومن علم منكرًا وقدر على إزالته وجب عليه إزالته ... ) .
وأما مخالفة الشيخ لإجماع أهل العلم من السلف الصالح ومن بعدهم:
فإني أنقل هنا بعض النقول الدالة على ذلك:
أ) فقد نقل الحافظ في الفتح (13/ 124) عن ابن التين قوله: (وقد أجمعوا أنه - أي الخليفة - إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنه يقام عليه واختلفوا إذا غصب الأموال وسفك الدماء وانتهك هل يقام عليه أولا) .
قال ابن حجر: (وما ادعاه من الإجماع على القيام فيما إذا دعا الخليفة إلى البدعة مردود إلا إن حمل على بدعة تؤدي إلى صريح الكفر ... ) .
ب) وقال الحافظ أيضًا في الفتح (13/ 132) : ( ... وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعًا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) .
ج) وجاء في الفتح أيضًا (13/ 11) : ( ... وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء فإن أحدث جورًا بعد أن كان عدلًا فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه) .
د) ونقل النووي في شرح مسلم (12/ 229) عن القاضي عياض: (فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام وخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه ... ) .
هـ) وقال الإمام ابن كثير بعد ما ذكر الياسق الذي وضعه جنكيز خان: (فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فمن فعل ذلك منهم فهم كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) [5] .
و) وقال الشوكاني بعد كلام له في كفر من يتحاكم إلى غير شرع الله: ( .. وهؤلاء جهادهم واجب وقتالهم متعين حتى يقبلوا أحكام الإسلام ويذعنوا لها ويحكموا بينهم بالشريعة المطهرة ويخرجوا من جميع ما هم فيه من الطواغيت الشيطانية ... ) [6] .
ز) وقال ابن عبد البر في الكافي (1/ 463) : ( .. وسأل العمري العابد - وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله [بن عبد الله] بن عمر بن الخطاب - سأل مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله عز وجل وحكم بغيرها؟ فقال مالك: الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة. وقال أبو عمر: جواب مالك هذا وإن كان في جهاد غير المشركين فإنه يشمل المشركين ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأنه يقول من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئًا جاز له الانصراف عنهم إلى فئة من المسلمين بما يحاوله فيه ... ) .
فهذه النصوص القاطعة من أقوال أهل العلم والحاكية للإجماع على أنه يُخرَج على الحاكم إذا كفر تبين خطأ الشيخ الألباني فيما ذهب إليه من عدم مشروعية الخروج على الحاكم الكافر.
كما أن المتأمل في صيغة السؤال الموجه للإمام مالك رحمه الله يجد أن السائل لا يسأل عن جواز قتال من يحكم بغير ما أنزل الله، وإنما يسأل عن جواز التخلف عن قتالهم، فإذا علمنا أن السائل هو عبد الله بن عبد العزيز العمري العالم الزاهد الثقة الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر كما في تهذيب التهذيب (3/ 196 - 197) ، أقول إذا علمنا ذلك، علمنا لم كان السؤال بهذه الصيغة، فالعمري العابد رحمه الله قد استقر في ذهنه أن قتال من لم يحكم بما أنزل الله مشروع بل واجب ولكنه يسأل هل من رخصة تسوغ التخلف عن هذا القتال؟ وكان رد الإمام مالك رحمه الله دقيقا أيضا فإنه أرجع الأمر للقلة والكثرة أي للقدرة أي من كان عنده قدرة لم يسعه التخلف و من كان غير قادر فلا شيء عليه إن هو انصرف عن القتال.
كما أن في تفسير الإمام ابن عبد البر لكلام إمام دار الهجرة رضي الله عنه لفتة طيبة وهي قوله: (جاز له الانصراف) ولم يقل (وجب عليه الانصراف) مما يدل على أن القدرة ليست شرطا في صحة القتال بل هي شرط في وجوبه فمن لم يكن قادرًا على الجهاد فلا شيء عليه إن هو تكلف الجهاد فجاهد حتى لو علم أنه لن يحقق النصر على العدو ما دام في ذلك مصلحة شرعية ككسر قلوب الكفار أو تجرئة قلوب أهل الإيمان أو غير ذلك.
أما ما استدل به الشيخ من أن حال المسلمين تحت حكم هؤلاء الحكام يشبه حال النبي عليه الصلاة والسلام في العصر المكي وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أولئك الكفار في مكة؛ فإن المرء ليعجب منه أشد العجب؛ إذ كيف للشيخ وهو من هو علمًا وتحقيقًا أن يقع في مثل هذا الاستدلال العجيب.
إذ لاشك أن الشيخ يعلم أن دين الله قد كمل وأن نعمته قد تمت وأنه قد كان في العهد المكي أحكام نسخت في العهد المدني منها أن الجهاد كان ممنوعا في العصر المكي ثم فُرض في العهد المدني، ونحن مطالبون بآخر أمر النبي عليه الصلاة والسلام فما مات عليه النبي عليه الصلاة والسلام هو الدين إلى يوم الدين، وليس لأحد أن يعطل حكمًا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام بدعوى أننا في حال يشبه العصر المكي وإلا لصح أن يقول قائل: لانزكي ولا نصوم لأننا في حال يشبه العهد المكي وإنما فرضت الزكاة والصيام في العهد المدني.
ومن أعجب العجب أن الشيخ الألباني قد قال بنفس هذا الذي قلناه في شريط سابق كان عنوانه (حركة حماس وأهل السنة في خان يونس) وقد سجل بتاريخ 8/ 1/1414 هـ وهو برقم 747/ 1 من سلسلة الهدى والنور كم ذكر مقدم الشريط، ففي ذلك الشريط سأل الشيخَ قادمٌ من خان يونس قائلًا: (يقول إخواننا هناك: نحن نعتقد فيما يسمى بالمجتمع المكي، من الصبر والدعوة ... لكن يقول: خان يونس كل أهلها مسلمون، وأحيانًا نضطر إلى إزالة المنكر باليد فهل يجوز لنا أن نزيل منكرًا باليد؟) .
فأجاب الشيخ: (أولًا خرج منك كلمة أظن أنها لم تكن مقصودة .. أو بعبارة أخرى سبق لسان عنهم، ولا أظن أنهم يقصدون معنى ذلك اللفظ، ذكرت فيما علق في ذهني أنهم يعتبرون أنفسهم في العهد المكي) ... لأننا نسمع نحن من بعض الناس أنهم فعلًا يعتبرون أنفسهم بسسب بعض الظروف والضغوط التي يعيشونها أنهم في العهد المكي، وهذا فيه ضلال مبين، لأن اعتبار المسلم نفسه في العهد المكي معناه أنه يتخلص من أحكام مقطوع بين علماء المسلمين بوجوب إتيانها أو بوجوب الابتعاد عنها، وهذا لا يقوله مسلم أبدًا، وفي ظني أن الذي يحملهم على مثل هذه الكلمة فضلًا عن أن يعتقدوا معناها هو شعورهم بأنهم لا يستطيعون أن يقوموا هم بأنفسهم بكثير أو قليل على الأقل من الأحكام الشرعية، فالذي يحملهم على هذا هو في الواقع جهلهم بالإسلام وبالقواعد العلمية الإسلامية التي بها يتمكن المسلم من أن يتجاوب مع كل الظروف التي يعيشها دون أن يزعم بأنه يعيش في العهد المكي أو في مثل العهد المكي).
ثم عاد الشيخ للإجابة عن سؤال السائل بما حاصله أن السؤال عن جواز تغيير النكر باليد لا مسوغ له بعد قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ... إلخ الحديث) ، ولكن يجب قياس المصالح والمفاسد فلا يغير المنكر باليد ولا باللسان إذا ترتب على التغيير مفسدة أكبر من ذلك المنكر.
وهذا كلام في غاية القوة كما ترى، ومثله كلام آخر للشيخ نشره على لسانه صاحب كتاب (حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه) حيث أورد في الكتاب المذكور (1/ 396) إجابة للشيخ عن سؤال حول التدرج في عرض الشريعة جاء فيها ما نصه: (لقد وصلنا الإسلام كاملا متكاملا ولا يجوز تطبيق بعضه وإهمال بعضه الآخر أو اختيار ما يناسب الظروف وإهمال ما لا يناسب مع إمكان التطبيق. فإن الإسلام الذي بين أيدينا اليوم يختلف عن الإسلام قبل أن ينزل قوله تبارك وتعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} . الإسلام كما هو بين أيدينا كامل لا نقص فيه أحكامًا وتطبيقًا وكل ما فيه لا يناقض العقل ولا يستحيل تطبيقه ولكنه يأتي وفق القاعدة التي تلخصها الآية: {فاتقوا الله ما استطعتم} فالأصل إذًا العمل بالشريعة وتطبيقها كاملة قدر المستطاع، وهذا ما نص عليه حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام:(ما أمرتكم من شيء فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) .. ) اهـ المقصود من كلام الشيخ الألباني.
ونحن بحمد الله لم نقل إلا بمثل ما قاله الشيخ، فالدين قد كمل والنعمة قد تمت ومما علمناه يقينًا أن التشريع قد انتهى إلى وجوب الجهاد ومن الجهاد الخروج على الحكام إن بدا منهم كفر بواح عندنا من الله فيه برهان، والله أعلم.
بل إننا نضيف إلى ما سبق أنه بافتراض أن هناك شبهة في تكفير هؤلاء الحكام الذين شرعوا للناس ما لم يأذن به الله فإن ذلك لا ينبغي أن يكون مانعًا من قتالهم، ذلك أنهم ممتنعون عن تطبيق أحكام الله وقد وقع الإجماع على أن كل طائفة ذات شوكة امتنعت عن شيء من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى لو كانت مقرة بتلك الشرائع غير جاحدة لها كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عدة من الفتاوى.
ومن ذلك قوله رحمه الله حين سئل عن قتال التتار: (كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما، فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملًا بالكتاب والسنة وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة مع قوله عليه الصلاة والسلام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم) ، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته - التي لاعذر لأحد في جحودها وتركها - التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء) [7] .
وقال رحمه الله: (والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله) [8] .
وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام قد نص عليه غيره من العلماء:
فقد قال النووي في شرح حديث أبي هريرة الذي فيه مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: (فيه وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الإسلام قليلًا كان أو كثيرًا لقوله رضي الله عنه: لو منعوني عقالًا أو عناقًا ... ) [9] .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن (2/ 596) عند حديثه عن آية الحرابة في سورة المائدة: (فإن قيل كيف يقال إن هذه الآية تناولت المسلمين وقد قال {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} وتلك صفة الكفار؟ قلنا الحرابة تكون بالاعتقاد الفاسد وقد تكون بالمعصية فيجازى بمثلها وقد قال تعالى {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ، فإن قيل ذلك في من يستحل الربا، قلنا نعم وفي من فعله فقد اتفقت الأمة على أن من يفعل المعصية يحارب كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا وعلى ترك الجمعة والجماعة) .
وقال ابن قدامة في الكافي (1/ 127) : (الأذان مشروع للصلوات الخمس دون غيرها وهو من فرائض الكفاية لأنه من شعائر الإسلام الظاهرة كالجهاد فإن اتفق أهل بلد على تركه قوتلوا عليه) .
وقال ابن خويزمنداد: (ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالًا كانوا مرتدين والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالًا جاز للإمام محاربتهم ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} .. ) [10] .
وقال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص:73) : ( ... فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين وإن أخل بشيء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا ... ) .
قلت: فإذا كانت الطائفة ذات الشوكة تقاتل إذا منعت فريضة واحدة من فرائض الإسلام فإن حكامنا اليوم قد منعوا أكثر فرائض الإسلام، وإلا فليقل لنا الشيخ هل التزم حكامنا جهاد الكفار؟ وهل التزموا ضرب الجزية على أهل الكتاب؟ وهل التزموا تحريم الزنا؟ وهل التزموا أحكام القصاص والحدود والديات؟ وهل، وهل، وهل ..
إن الباحث في أحوال حكامنا اليوم يجدهم قد امتنعوا عن أكثر شرائع الإسلام، وهم في أحسن أحوالهم سيقولون نحن مقرون بهذه الشرائع غير جاحدين لها، ولكن هذا الإقرار ليس مانعًا من قتالهم كما سبق بيانه في كلام شيخ الإسلام، فكيف إذا كان هؤلاء الحكام لا يقرون أصلًا بأشياء كثيرة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإننا على سبيل المثال نعلم يقينًا أن حكامنا لا يقرون بأحكام أهل الذمة التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله ويقولون إنه لا فرق بين مسلم ونصراني فالكل أمام القانون سواء، ويقولون إن الجزية شيء قد عفا عليه الزمن وقد حل مفهوم المواطنة محل مفهوم أهل الذمة، كما أن منهم من يصف الحدود الشرعية بالوحشية ومجافاة روح العصر، وغير ذلك كثير.
ومن أجل ذلك نقول إنه ينبغي ألا يكون هناك خلاف في مشروعية الخروج على هؤلاء الحكام المجرمين الذين لم يكتفوا بتعطيل شرع الله وإلزام الناس بالتحاكم إلى قوانين وثنية، فراحوا ينكلون بالدعاة إلى الله ما بين قتل وتشريد وتعذيب وإحالة إلى مجازر وحشية يسمونها بالمحاكم العسكرية وليس لهم من هدف في ذلك إلا القضاء على كل دعوة لإقامة شرع الله وتحكيم كتابه في الأرض.
نقول إنه ينبغي ألا يكون هناك خلاف في مشروعية ذلك مع مراعاة الضوابط الشرعية في الخروج من مثل قياس المصالح والمفاسد والالتزام بالأحكام الشرعية في الجهاد.
والله أعلم.
[1] أخرجه البخاري (7055 - 7056) ومسلم (170) (كتاب لإيمان حديث 24)
[2] أخرجه مسلم (1854) وأبو داود (4760) والترمذي (2665) وأحمد (6/ 302، 305، 321)
[3] أخرجه مسلم (1855) وأحمد (6/ 24) والدارمي (2/ 324)
[4] أخرجه مسلم (49) وأبو داود (1140) ، (4340) والترمذي (2172) وابن ماجه (1275) ، (4013) والنسائي (8/ 111 - 112) وأحمد (3/ 54) من حديث أبي سعيد الخدري
[5] تفسير القرآن العظيم 2/ 68
[6] الدواء العاجل في دفع العدو الصائل ص: 25
[7] مجموع الفتاوى 28/ 502 - 503
[8] مجموع الفتاوى 28/ 544
[9] شرح صحيح مسلم 2/ 212
[10] انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/ 364