على النفس من وقع الحسام المهند ... كثيرة تلك الكتابات المغرضة التي يتولى كبرها طائفة من العلمانيين وبقايا الشيوعيين والتي تتناول بالتشويه صورة دعاة الإسلام وخاصة الجماعة الإسلامية بمصر.
وكثيرًا ما يعرض المرء عن تلك الكتابات غير عابيء بها فهي لا تعدو أن تكون نوعًا من الكذب المفضوح الذي تمجه العقول السليمة أو محاولة سخيفة من وعول قميئة تبغي تكسير صخرة شماء بقرون كليلة .. فما ضرها وأوهى قرنه الوعل.
أما الذي يدعو للأسف فهو أن تبث تلك الأقاويل من خلال دراسة علمية جادة، فكيف إذا كانت تلك الدراسة كما يبدو من سطورها لكاتب وثيق الصلة بالحركة الإسلامية، إن لم يكن واحدًا من أبنائها؟ إن الأمر حينئذ يكون أشد وأقسى على حد قول القائل:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
أقول ذلك كله بمناسبة فقرة قرأتها في كتاب بعنوان"سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد"للدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي، وهو في مجمله كتاب طيب يحس القارئ له بمدى الجهد المبذول فيه بحثًا وتنقيبًا وتوثيقًا لحياة الأستاذ سيد قطب رحمه الله، ولذا فقد دهشت كثيرًا عند قراءتي للفقرة المشار إليها والتي يقول الكاتب فيها:
(وقد قرأ في المعالم وفي الظلال فصائل أخرى من العاملين للإسلام مثل جماعة المسلمين التي أسسها شكري مصطفى رحمه الله وجماعة الجهاد التي قتل أفراد منها الرئيس المصري أنور السادات وخرجوا من المعالم بأقوال غريبة وأفهام خاطئة وتأويلات باطلة وتبنوها وجعلوها مناهج لهم في الدعوة والعمل ونسبوها إلى سيد قطب واعتبروه صاحبها الأول، من مثل تكفير المسلم الذي لم ينتظم مع الجماعة وحرمة العمل في مؤسسات المجتمع ووجوب العزلة الحسية والمادية لأفراد الجماعة وترك مساجد المسلمين لأنها مساجد ضرار وغير ذلك علمًا بأن سيدًا لا يقول بهذا الهراء ولو ادعوا وجوده في كتاب المعالم .. ) [58] .
هكذا قال المؤلف عفا الله عنا وعنه، ونحن نقول بداية إننا لن نتهم الكاتب بأنه من المغرضين الذين يختلقون الأكاذيب بغية تشويه صورة العاملين للإسلام فسيرته في كتابه تأبى ذلك.
والأرجح - والله أعلم - أنه تلقى تلك الأقاويل من بعض أجهزة الإعلام أوسمعها من بعض من لا يتثبتون في رواياتهم فنقلها عنهم محسنًا الظن بهم، وإن كان ذلك لا يعفيه من المسؤلية بطبيعة الحال. ثم إن لنا على ما نقلناه من كلام الكاتب عدة ملاحظات نجملها فيما يلي:
أولًا: هناك ملاحظة تبدو شكلية وهي أن الجماعة التي قتلت السادات هي الجماعة الإسلامية، هكذا تسمي نفسها وبهذا الاسم تصدر كتاباتها وتمارس نشاطها، أما تسمية الجهاد فقد ألصقتها بها أجهزة الأمن في مصر ثم تناقلتها أجهزة الإعلام بعد ذلك.
والجماعة الإسلامية حين لا تتسمى بالجهاد فإنما تريد تأصيل فكرة الشمولية في العمل الإسلامي؛ فالجهاد ذروة سنام الإسلام ولكنه ليس الطريق الوحيد الذي تسلكه الجماعة، فهي تسلك معه الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ذلك يسير في خطوط متوازية.
ومما دفعني إلى تصحيح اسم الجماعة ما وجدته من عدم تعويل الكاتب على الاسم الذي أطلقته السلطات المصرية على جماعة شكري مصطفى وهو اسم"التكفير والهجرة"واستخدامه الاسم الذي أطلقه شكري على جماعته وهو"جماعة المسلمين"مع ما في تلك التسمية من خطأ شرعي لا يخفى على الكاتب حيث كان شكري يقصد بها أنه ومن معه فقط هم جماعة المسلمين وبالتالي فمن لم يدخل معهم فليس بمسلم. فلما رأيت الكاتب استخدم اسم جماعة المسلمين أحببت أن أنبه إلى الاسم الصحيح للجماعة التي قتل أفراد منها أنور السادات وهو"الجماعة الإسلامية".
ثانيًا: يؤسفني أن أقول إن الكاتب قد وقع في الخطأ الذي أنكره على غيره، فإنه أراد الإنكار على من تقول على الأستاذ سيد قطب رحمه الله ونسب إليه أفهامًا غريبة باطلة هو منها براء، ثم وقع هو في نفس الخطأ حيث نسب إلى قوم ما لم يقولوه وهم منه براء.
بل إنني أزعم أن خطأ الكاتب أفدح من خطأ أولئك الذين أراد الإنكار عليهم ذلك أنه يذكر أن الذين تقولوا على سيد قطب قد قرأوا في المعالم والظلال، أي أنهم قد اعتمدوا على كلام قرأوه للأستاذ سيد رحمه الله وإن كانوا قد فهموه على غير وجهه، أما هو فلم يعتمد على شيء من كتابات الذين نسب إليهم ما نسب.
إن الذي يدعو إلى العجب أن يفوت المؤلف - وهو الحريص على التوثيق - أن يوثق لنا ما نقله في هذه الفقرة بالذات، وإن من حقنا أن نسأله: من أين استقى معلوماته عن الجماعة الإسلامية؟ إن للجماعة الإسلامية ما يربو على العشرين من الدراسات والأبحاث التي تشرح فكرها، فهل قرأ الكاتب شيئًا من ذلك؟، ثم إننا نسأله هل قابل أحدًا من قادة تلك الجماعة أو بعض أفرادها فأدلى إليه بتلك المعلومات؟
أغلب الظن عندي أنه ما قرأ شيئًا من كتاباتها ولا التقى بأحد من أبنائها إذ أنه لو فعل ذلك لما قال ما قال.
وقد نعذر الكاتب في عدم معرفته بحقيقة فكر الجماعة الإسلامية إذا كان لم يصله شيء من كتاباتها، ولكن الذي لا نستطيع أن نعذره فيه أن ينسب إليها ما لم تقله قط ولا دار يومًا بخلد أحد أبنائها.
وبعد ذلك فإننا نوضح للكاتب ما غاب عنه فنقول:
1)إن الجماعة الإسلامية لم تقل أبدًا بتكفير المسلم الذي لم ينتسب إليها وقد كان أبناء الجماعة من أوائل من تصدوا لفكر التكفير في مصر، بل إن الجماعة ترى أن من ارتكب أمرًا من أمور الشرك جاهلًا به فإنه يعذر بجهله ولا يكفر حتى تبلغه الحجة الشرعية، ولها في ذلك بحث ينشر حاليًا في مجلة المرابطون تحت عنوان"تكفير المعين بين الغلو والتقصير"، فمن لم يكفر من وقع في الشرك جاهلًا كيف يكفر من لم ينتسب إلى جماعة معينة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .. وقد كانت الجماعة ولا تزال تقدم في ندواتها دعاة ليسوا من أعضائها وربما لا ينتمون إلى أي جماعة مثل الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه الله والشيخ أحمد المحلاوي وغيرهم ويتوافد أبناء الجماعة لسماعهم والصلاة خلفهم.
2)إن الجماعة الإسلامية لا تتبنى فكرة تحريم العمل في مؤسسات المجتمع، وأبناء الجماعة يعملون في وظائف الطب والتدريس وغير ذلك، والكثير من أبناء الجماعة يُحرَمون من وظائف يستحقونها بسبب انتمائهم للجماعة سواء كان ذلك في الجامعات أو المدارس أو المصانع أو المؤسسات، ومن المعلوم أن الدكتور"عمر عبد الرحمن"لا يسمح له الآن بممارسة عمله بجامعة الأزهر وقد كان أستاذًا ورئيسًا لقسم التفسير، وغيره كثير، ويكفي أن نعلم أن خالد الإسلامبولي قاتل السادات كان ضابطًا في القوات المسلحة المصرية.
ولكن قد تدل النصوص الشرعية على حرمة أعمال بعينها كالعمل في محلات الخمور أو بنوك الربا فهنا تلتزم الجماعة بحكم الشرع في ذلك.
3)أما القول بأن الجماعة الإسلامية تقول بوجوب العزلة الحسية عن أفراد المجتمع فغريب جدًا، وإن كل متابع للحركة الإسلامية في مصر سيحس بوجود أبناء الجماعة بين الناس يجوبون المدن والقرى داعين إلى الله يخالطون الناس ويقدمون للمحتاجين الخدمات والمساعدات، حتى أن الحكومة تكيل الضربات لأبناء الجماعة لمنعها من ذلك لأنه يؤدي إلى حب الناس لأبناء الجماعة والتفافهم حولها كما حدث في منطقة عين شمس كما كشف ذلك تحقيق نشر بجريدة الأهرام الحكومية بتاريخ 30/ 1/1989م عقب تنكيل الحكومة بأبناء الجماعة في تلك المنطقة، وما لنا نذهب بعيدًا وقد جاء في ميثاق العمل الإسلامي الذي يبلور فكر الجماعة (ص: 150) : ( .. من ذا الذي يفتي لنفسه وللناس في هذا الزمان بالاعتزال والانقطاع للصلوات والأذكار وترك ما تعين من تعليم للجاهل ونصح للمستكبر وتغيير للمنكر وأمر بالمعروف وإعداد للعدة وجهاد للأعداء وتحرير للأرض وإقامة للشرع) .
4)وتبقى نقطة القول بترك المساجد بدعوى أنها مساجد ضرار، وهذا أيضًا من أبطل الباطل فشباب الجماعة الإسلامية يملأون المساجد داعين إلى الله وهم يعلمون جيدًا أن ترك الجماعات بدعة حتى ولوكان ذلك بسبب بدعة الإمام، ولكنهم قد يتركون مسجدًا معينًا لعلة معينة كأن يكون به قير مما ورد النهي عنه ولكنهم مع ذلك لايهجرون المساجد جملة ولا يملون النصيحة والتذكير.
وأخيرًا: نعود إلى ما بدأنا به فنطالب الكاتب بالبينة على ما ذكره أو ليست البينة على من ادعى؟
ثالثًا: وبعد بيان خطأ الكاتب فيما نسبه للجماعة الإسلامية، نحب أن نؤكد له ولغيره أن الجماعة الإسلامية تقدر الأستاذ سيد قطب رحمه الله أعظم التقدير، وله في قلوب أبنائها مكانة خاصة، بيد أن الجماعة لم تنسب منهجها إلى الظلال أو المعالم ولم تقل إنها أخذت فكرها منهما وإن كانت كثيرًا ما تستشهد بأقواله رحمه الله باعتباره واحدًا من دعاة الإسلام ورجاله المعدودين في هذا العصر.
إننا نؤكد أن الجماعة الإسلامية لم تكن يومًا من هؤلاء الذين نسبوا إلى الأستاذ سيد رحمه الله ما لم يقله وادعوا زورًا أنه في المعالم أو الظلال.
رابعًا: وإن الإنصاف ليقتضي هنا أن أبريء ساحة الجماعة التي تسمي نفسها جماعة المسلمين من جزء مما نسبه إليها الكاتب، فإنه وإن كان شكري قد قال بكثير مما نسبه الكاتب إليه إلا أن المعروف أن شكري لم ينسب ذلك إلى الأستاذ سيد رحمه الله، وقد قرأ كاتب هذه السطور بعضًا من مخطوطات شكري - غفر الله له - وقابل الكثيرين من أتباعه وناقشهم، ويمكنني من خلال ذلك كله أن أقول إن شكري لم يكن يعتد بأقوال أحد من العلماء المتقدمين ولا المتأخرين، وكان يرى الحجة في القرآن والسنة وحدهما، وكان يرى أن معجمًا لغويًا يكفي لفهم القرآن والسنة مع الاستعانة بأدلة الفطرة أو الأدلة العقلية، وما سيد قطب عند شكري إلا كغيره من الناس لا يعتد به ولا ينسب فهمه إليه، وقد يكون تأثر به في بداية سجنه، ولكن الحديث هنا ليس عن روافد شكري الفكرية، وإنما هو عن الأسس التي أقام عليها جماعته.
وختامًا: فإنا لنرجو أن يراجع الدكتور صلاح ما كتبه على ضوء ما قلنا فإنا لا نزال نأمل فيه خيرًا كثيرًا وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
* هذا نص مقال نشرته مجلة المرابطون التي كانت تصدرها الجماعة الإسلامية في عددها الصادر في رجب 1413، وقد رأيت إثباته هنا لما له من علاقة بموضوع الكتاب
[58] سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد ص: 557