وحين انتقل هذا الإعصار إلى أفق الفكر الإسلامي وجد من بعض العقول الساذجة بريقًا ومن بعض النفوس البسيطة تقبلًا، ثم تكشف زيفه سريعًا في محيط أمة مؤمنة بالله، وإيمانها عميق وراسخ في أعماق أربعة عشر قرنًا، فلم يجد قبولًا أن يقال أن الطبيعة تدبر نفسها وأنها لست في حاجة إلى فاعل أو خالق، وما كان لهذا البريق أن يستمر ولا لهذا الصوت أن يعلو؛ لأنه يناقض مناقضة صريحة كل خلة في الإنسان، عقله وقلبه وفطرته ويناقض العلم ويناقض هذا الميراث الضخم من التوحيد الذي قضى على الغنوصية والهلينية قديمًا وقضى معها على الوثنية وبيوت النار وكل ما سوى عبادة الواحد القهار، وما كان التاريخ يعود القهقري بهذه الأمة التي حملت رسالة التوحيد والتي هي خير أمة أخرجت للناس. ولذلك سرعان ما انقضت على هذا التيار قوى التصحيح والتحرر من الزيف والعودة إلى المنابع واستلهام الحق، كاشفًا بتلك الأصالة التي تؤمن بالله وبإرادة الإنسان ومسئوليته والتزامه الأخلاقي وخلود روحه وتوقه إلى ربه خالقه ومبدعه. ومهما علت دعوات المادية أو الماركسية، أو الوضعية المنطقية، أو الوجودية فإنها لن تجد سوقًا ولن تجد إلا أولئك الذين عجزوا عن فهم حقيقة دينهم، فالقرآن يقرر أن الدين فطرة في الإنسان فطر الله الناس عليها وأن أساسه الاعتقاد بخالق الكون وأنه واحد لا شريك له وما هدانا إليه القرآن لا يعارض العقل أو الفطرة.
{فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} .
أنور الجندي