(4) إن الخلاف بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي ليس مع العلم التجريبي ولكن مع الفلسفة، هذه الفلسفة التي أخذت إطارات العلم وحاولت أن تستعين بها على إذاعة مفاهيم المادة، وعلى الباحث المسلم أن يتنبه بأن هناك فاصلًا واضحًا وعميقًا بين العلم التجريبي وبين الفلسفة، ومن شأن هذا الفارق أن تتقبل العلم التجريبي؛ لأنه من المعرفة الإنسانية العامة، ويتحرر من تقبل الفلسفة؛ لأنها من المعطيات الذاتية الخاصة بالأمم والعقائد. والثقافات تختلف من أمة إلى أمة ومن عصر إلى عصر.
فالعلم لا ينكر وجود الله ولا ينكر الغيب، ولكنه يقصر جهده على عالم المحسوس والملموس من حيث هو تجربة مادية خالصة، ولكنه لا يدعي أنه يقدم نظرة كاملة للحياة. وقد تكشف للعلماء التجريبيين الآن بعد انفلاق الذرة أن هناك باتا قد فتح لعالم غيبي مجهول ضخم يعجز العلم بأدواته العاجزة عن اقتحامه، ولكنهم يعلمون الآن بوجوده ويقرون به.
وقد أعلن العلم أنه يعجز عن حل المشاكل، وقال العلماء أن الذهن البشري وحده لا يستطيع فهم حقائق الحياة. وقد تبين بعد طول الجهد المبذول أن العلم لا يكشف المجهول من الأسباب، ولكنه يدرس الظواهر وأنه يقوم في أول أمره على فروض، فإذا ثبتت بالتجربة أصبحت صحيحة وإذا فشلت لم تكن شيئًا.
وأهم ما تجاوزه العلم في المراحل الأخيرة اقتربًا من مفهوم الدين هو تحطيم نظرية الجوهر الفرد، فإن فهم الذرة وانفلاقها قد ألغى تلك الفوارق التي تفصل بين المادة والطاقة ومن ثم أصبح معلومًا أن المادة تصبح طاقة والطاقة تصبح مادة.
والعلماء يقررون (حسب ما يقوله العلامة سبانيه في كتابه فلسفة الدين) أن ما عرفه العلماء من العلم هو جزء محدود وهو ليس إلا عدمًا بالنسبة لما يجهلونه. وأن نظريات العلم نظريات وقتية مستعدة للتحوير والتغيير متى آن أوان ذلك.