و قد منع غالبية فقهاء الحنابلة، والشافعية، و الأحناف التسعير مطلقا [1] . لقول النبي- عليه الصلاة والسلام-:"إن الله هو المسعر، القابض، الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم، و لا مال [2] ". فلو كان جائزا لفعله الرسول -عليه الصلاة و السلام- [3] ، وقالوا: إن التسعير هو تقييد لحرية التصرف في الملكية، ونظر في مصلحة المشتري دون البائع [4] .
و أجاز المحقق ابن قيم الجوزية -ومن قبله الإمام مالك- التسعير في الأقوات في فترات الغلاء [5] . وكذلك ابن تيمية في حالات الاحتكار، إذا أراد به التجار الإضرار بالناس [6] . فيجب في هذا الظرف إلزامهم بالتسعير،"الذي هو إلزام للعدل الذي ألزمهم الله به [7] ".
ويرى الشيخ يوسف القرضاوي أن حديث منع التسعير يشير إلى قانون العرض والطلب في الظروف العادية، فالتدخل في حرية الأفراد- في هذه الحالة- ظلم لهم [8] . أما إذا تدخلت عوامل غير طبيعية للتلاعب بالأسعار:"فمصلحة المجموع هنا مقدمة على حرية بعض الأفراد، فيباح التسعير استجابة لظروف المجتمع أو لحاجته، ووقاية له من المستغلين الجشعين" [9] .
فالمانعون للتسعير حرموه اعتمادا على حديث وحيد مرتبط بالظروف الاقتصادية العادية ولم يتناولوه في ضوء قواعد الإسلام العامة في الحلال والحرام [10] . وفي أحوال اجتماعية متأزمة، كما فعل الذين جوزوه، وعليه يمكن القول: إن المعاناة التي عاناها أهل بغداد، في ظل كثرة الفتن، وقلة
(1) أبو فارس: المرجع السابق - ص: 484.
(2) رواه أحمد، وأبوداود، والترميذي، والدارمي.
(3) أبو فارس: المصدر السابق- ص: 486.
(4) نفسه - ص: 485 - 486.
(5) نفسه - ص:486. ويوسف القرضاوي: الحلال والحرام في الإلام- دار البعث- قسنطينة- الجزائر-1984 - ص:209.
(6) يوسف القرضاوي: المرجع السابق - ص:209.
(7) نفسه - ص:209.
(8) نفس المصدر - ص:908
(9) نفسه - ص:208.
(10) منها قاعدة: الضروريات تبيح المحظورات، وعنها، وعن باقي القواعد أنظر: يوسف القرضاوي: المرجع السابق- ص:17 ومابعدها.