والنظر [1] . سيرا على نهج الأئمة، أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، الذين اتفقت موافقتهم على نبذ التقليد، والدعوة إلى الاجتهاد، والالتزام بنصوص القرآن، والسنة الصحيحة [2] . ثم ذكر أن الحنبلية، تعتقد بعدم جواز خلو أي عصر من المجتهدين [3] ، و تعجبت من غياب المجتهد المطلق [4] في المتأخرين رغم وفرة المرويات، ويسر وسائل الاستنباط عن السابق [5] .
والحنابلة- بذلك الموقف الداعي إلى الاجتهاد- يكونون قد شجعوا على حرية الفكر، و ساهموا في العمل على مقاومة التعصب المذهبي الذي أفسد الفكر و العقول من جهة؛ و سعوا لشحذ الأذهان، وتفجير الطاقات، و إثراء الفقه الإسلامي، ليساير احتياجات المجتمع المتجددة من جهة أخرى.
و الموقف الأخير-السادس- يتعلق بقضية التسعير: و قد مرت ببغداد فترات عصيبة فيما بين سنتي:241و 500هـ/855 - 1106م) قل فيها الغذاء، وارتفعت فيها الأسعار ارتفاعا فاحشا [6] . فأصبح فيها الناس في أمس الحاجة إلى فقهاء، لإصدار فتوى، بجواز تدخل الدولة، للحد من غلاء أثمان السلع الاستهلاكية الضرورية. فما الذي فعله الحنابلة؟.
يعتقد الإمام أحمد بن حنبل:"أن الغلاء، والرخص من فعل الله سبحانه [7] ". ويرى أبو يعلى الفراء أنه"لا يجوز أن يُسعر على الناس الأقوات، و لا غيرها في رخص وغلاء [8] ". ووافقه على فتواه، معاصره القاضي الماوردي الشافعي [9] (ت450هـ/1058م) .
(1) أبو زهرة: ابن حنبل - ص:359.
(2) ناصر الدين الألباني: صفة صلاة النبي ط1، الرياض- دار المعارف- 1411هـ/ 1991م ص:45، وما بعدها.
(3) أبو زهرة: أصول الفقه - ص:392.
(4) هو الذي يستخرجالأحكام، من الكتاب، والسنة، والقياس، وباقي أصول الفقه، بدون تقليد لأحد، وهو الذي يرسم لنفسه، مناهج الإستنباط. وعن مراتب الإجتهاد أنظر: أبو زهرة: أصول الفقه- ص:389.
(5) نفس المرجع - ص:392. وأبو زهرة: ابن حنبل- ص:359.
(6) عرفت بغداد سنوات عديدة إرتفعت فيها الأسعار وعن ذلك أنظر•ابن الأثير الكامل ج8، ص:377، 381، و465، و528، و601. وابن كثير: البدية- ج12، ص:34،56،61، 68، 88، 89). وهنالك سنوات قليلة رخصت فيها السلع منها: عام447هـ عم فيها الرخص معظم مناطق كثيرة. (ابن كثير المصدر السابق- ج12، ص:88) .
(7) أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق- ج2، ص:269.
(8) الأحكام السلطانية- ص: 287.
(9) قرر الماوردي، أنه لايجوز التسعير في الأقوات ولاغيرها، في رخص ولا غلاء. (الماوردي: الأحكام السلطانية-ط2 - مصر- شركة ومطبعة البابي الحلبي-1966 - ص:256) . وكان القاضي أبو يعلى أخذ عبارة الماوردي كما هي ودونها في كتابه الذي جعل له نفس عنوان كتاب الماوردي. وقد حقق عبد القادر أبو فارس، كتاب أبي يعلى الأحكام السلطانية، وقارنه بكتاب الماوردي، فانتهى إلى أن الماوردي أسبق في تأليف كتابه من أبي يعلى، وجعله على مذهب الأحناف والشوافع، والمالكية، فجاء أبو يعلى وجعل كتابه على مذهب الحنابلة ليكمل الفراغ الذي تركه الماوردي. (أبو فارس: المرجع السابق: ص:526) . والكتابان متشابهان، في العرض والتفريع وبهما فصول متطابقة، في الأفكار حتى أنه يصعب التفريق بينهما. (نفس المرجع: ص:501) . ولا يعرف سبب ظاهر دفع الماوردي إلى إغفال مذهب الحنابلة رغم إنهم من أهل السنة، ويمثلون غالبية سكان بغداد، في حين أن المالكية عددهم بها قليل جدا.