و قد صاحبت انتشاره مظاهر سلبية، شوهت صورته حين وجد من أتباعه من ذم النظر العقلي، و مطلق الكلام [1] ، فانتهى الأمر ببعضهم إلى تعطيل الفكر و التمسك بالأحاديث التي لا تصلح للاحتجاج، كالضعيفة و الموضوعة [2] . فزاد ذلك من تطرف خصومهم الأشاعرة، في استخدام العقل، و البعد عن النص و الاقتراب من المعتزلة [3] .
و قد ساير الحنابلة في حياتهم الفكرية تطورات عصرهم فأسسوا المدارس [4] و توسعوا في تأليف الكتب [5] ، و وُجدت في مذهبهم بعض آثار الاعتزال و الأشعرية [6] ، و التصوف [7] و أهل الكتاب [8] , لكنهم كانوا أكثر الطوائف اتفاقا, وأقلها تنازعا لكثرة تمسكهم بالسنة والآثار [9] , التي ميزتهم عن غيرهم من فئات المجتمع, في مواقفهم من قضايا عصرهم الدينية والكلامية المثارة.
شهدت بغداد حياة فكرية نشطة فيما بين [10] (241 و 500 هـ / 855 ـ 1106 م) أثيرت خلالها قضايا علمية عديدة, في الكلام, والعقائد, والفقه, وكان فيها للحنابلة مواقف متميزة, و واضحة أولها:
تحديد مفهوم أهل السنة: ظل مصطلح أهل السنة, واضح المعالم فترة طويلة من الزمن, مقتصرا على أصحاب الحديث, والأثر, مقابل الشيعة
(1) يرى ابن تيمية أن الخلل دخل هؤلاء، من تقبلهم نصوصا غير صحيحةن و من سؤفهمهم لها، حتى أنهم يقولون القولين المتناقضين (ابن تيمية: المصدر السابق - ص: 22 - 23)
(2) نفسه ص: 23.
(3) جلال موسى: نشأة الأشعرية ص: 202
(4) عن مدارس الحنابلة، أنظر ما بعد، ص: 255.
(5) عبد العزيز الأهل: المرجع السابق ص: 342 - 343.
(6) تأثر ابن عقيل، ببعض أفكار المعتزلة (الذهبي ك سير أعلام النبلاء ج 19، هامش ص: 444) و تاثر أبو يعلى ببعص ما قاله الأشاعرة، و تابعه ابن عقيل (ابن تيمية: موافقة صريح المعقول ج 2 - ص 12) و حتى المعتزلة كان لهم دور في دفع الحنابلة إلى التطرف في اقوالهم (زهدي جار الله: المرجع السابق - ص 232)
(7) كان التصوف في بغداد ألصق بالشافعية من غيرهم من الطوائف، لكنه وجد من الحنابلة من أخذ به وتنافس فيه. (مصطفى جواد: المرجع السابق ـ ص 552 ـ 553) .
(8) جواد تزهير: مذاهب التفسير الإسلامي - ص: 123.
(9) ابن تيمية: نقص المنطق - ص: 137.
(10) يتبين ذلك جليا، فيما يأتي من خلال القضايا التي أثيرت في المجتمع.