الأقوات، وغلاء الأسعار، كانت كافية على حمل فقهاء الحنابلة على الترخيص بالتسعير، لكنهم لم يفعلوا ذلك، وهم الذين كانوا قد أجازوا الابتعاد عن الخلافة الراشدة، التي أوجبها فقههم، دفعا للضرر، وحقنا للدماء [1] .
و يتضح من تتبع مواقف الحنابلة من قضايا عصرهم، أنهم ساهموا في تنشيط حياة بغداد العلمية بما طرحوه من آراء في مختلف المسائل العلمية، وبما أنتجوه من مؤلفات وفق منهاجهم السلفي الذي اشتهروا به.
رابعا: تراث الحنابلة العلمي في بغداد: (241 - 500 هـ/ 855 - 1106 م)
اقتصر أصحاب أحمد بن حنبل في غالب الأحيان [2] ، على تدارس ما تركه إمامهم من مصنفات [3] . غير أن تلاميذهم أكثروا من تأليف الكتب في القرنين الرابع والخامس الهجريين/10 - 11 م و ما بعدهما، فشمل إنتاجهم علوما عديدة [4] ، كالفقه، والكلام، والأدب، والطب [5] . و كان ابن البناء الحنبلي (ت 471 هـ/1078 م) ، أكثرهم تأليفا فرُوي أن مؤلفاته قاربت الخمسمائة كتاب [6] .
وقد ضاع الكثير من تراث الحنابلة العلمي، من جراء ما حل ببغداد من فتن وكوارث مدمرة عبر تاريخها الطويل [7] . من ذلك أن القاضي أبا يعلى الفراء (ت 458 هـ/ 1065 م) ، ألف سبعة وخمسين مصنفا، لم يبق منها إلا القليل، وبعضها ناقص [8] . و كتب ابن عقيل (ت 513 هـ/ 1119 م) موسوعة الفنون في نحو ستمائة مجلد [9] ، فلم يصلنا منها إلا جزآن [10] . و
(1) أنظر: ابن تيمية: الخلافة و الملك- باتنة- شركة الشهاب- بدون تاريخ- ص:28، 47).
(2) يعتبر إبراهيم الحربي (ت 285 هـ/888 م) من أوائل الحنابلة، الذين مارسوا التأليف، فألف غريب الحديث، ودلائل النبوة، وسجود القرآن.
(عبد العزيز الأهل: المرجع السابق- ص:342) .
(3) نفسه - ص:342.
(4) ذكر ابن عقيل، أن الحنابلةن لم يدققوا في العلوم الغامضة، ودققوا في الورع، وأخذوا ما ظهر من العلوم، وتركوا ما وراء ذلك. وعد مصطفى
الشكعة ذلك الأمر، من قبيل السلبية الفكرية. (مصطفى الشكعة: الأئمة الأربعة - ص:886) .
(5) أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق - ج 2، ص:205.
(6) عبد العزيز الأهل: شيخ الأمة أحمد بن حنبل - ص:345.
(7) عن فتن بغداد، أنظر: خالد كبير: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد، ص:116 ومابعدها، وأعظم ما أصابها، يوم أسقطها التتار عام (656 هـ/ 1358 م) .
(8) أبو فارس: المرجع السابق - ص:186.
(9) ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة ج 1، ص: 188 - 189.
(10) عثر عليها، جورج مقدسي في المكتبة الوطنية بباريس، ونشرهما وعن ذلك أنظر مقدمتي الجزء الأول والثاني.