النهج [1] ، لأن اختلافهم في مسائل الفقه، كان قائما على الدليل، وليس على السابقة في الإسلام أو الشجاعة والبلاء في الجهاد [2] ، لذلك لم يساير أحمد بن حنبل، الذين تقدموه في مذاهبهم، ولم يعتمد إلى على الحجة [3] ، فخالف أحمد أبا بكر الصديق، في مسألة الجد، فلم يجعله كالأب، ووافق زيدا في هذه القضية،"فلوا كان قد نظر إلى رتبة التقدم والسبق، لكان إتباعه للصديق أولى من زيد، فلما لم يفعل ذلك، إتباعا للدليل دون التفضيل للأشخاص، وجب الآن النظر في الأدلة في عصرنا دون تعظيم المشايخ، إقتداء بالسلف من آدم إلى الآن [4] ".
ويُعد القاضي أبو يعلى الفراء (ت458هـ/1065م) ، أكبر مجتهدي الحنابلة في القرن الخامس الهجري/11م [5] . وقد تركت دعوته إلى نبذ التقليد، آثارها الحميدة في تلاميذه الكثيرين [6] . كمحفوظ الكلوذاتي (ت510هـ/1116م) ، وابن عقيل [7] (ت513هـ/ 1119م) ، و هما قد خالفا أحمد بن حنبل في مسائل عديدة، منها: تحريم أكل لحم الزرافة. وعدم اشتراط الترتيب في الوضوء [8] .
و ذكر الشيخ محمد أبو زهرة، أن الشافعية والأحناف هم الذين دعوا إلى غلق باب الاجتهاد، في حين عارضهم الحنابلة [9] ، الذين حثوا على البحث
(1) ابن عقيل: كتاب الفنون ج2، ص:605.
(2) نفس المصدر - ج2، ص:602.
(3) نفس المصدر - ج2، ص:602.
(4) نفس المصدر - ج2، ص:606.
(5) ابن كثير: البداية - ج12، ص:94 - 95.
(6) أنظر: عبد القادر أبو فارس: المرجع السابق - ص:300 ومابعدها.
(7) كان أبو الجوزي: من أكثر الناس تأثرا بابن عقيل، في الدعوة، إلى الإجتهاد، ونبذ التقليد، فكان يقول:"وإن جماعة من أصحابنا لهم أقوال في الأصول، ولاأعتقدها، إذ لاأصول لها، فلا يحل فيهل، التقليد". ( George makdisi: Quatre Opuscules- P:65.) .
(8) عبد القادر أبو فارس: المرجع السابق - ص:196.
(9) يعد عبد الرحمان بن مندة من فقهاء الحنابلة، المجتهدين، الأحرار الفكر، فقد أنكر ما إشتهر عن الإمام أحمد في تفسيره لحديث"خلق الله آدم على صورته"وبين بطلان تلك الرواية في كتابه الرد على الجهمية. (ابن رجب: المصدر السابق- ط1 - القاهرة- ج1، ص:29) . وكان أحمد قد أنكر على من فسر الحديث، السابق بأن معناه، أن الله خلق آدم على صورة آدم، وجعل من إعتقد ذلك، جهميا، ثم قال:"وأي صورة كانت لآدم قبل خلقه". (أبو الحسين بن أبي يعلى المصدر السابق- ج2، ص:131) . وأصل الحديث هو:"إذا قاتل أحدكم، فليتجنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته"رواه البخاري، ومسلم. ويرى ابن حزيمة، أن حرف الهاء في"على صورته"لاتعود إلى الله، وإنما تعود، إلى الذي ضرب، وقد نهى الرسول- ص- عن ضرب الوجه، لأن الله خلق آدم على تلك الصورة، وتشبيه ذلك بوجه الله هو ضلال. (كتاب التوحيد ص:38) . ويرى كذلك، أنه ربما أضاف الصورة، إلى الرحمان كإضافة الخلق إلى الله، وأما الأثر الذي يقول:"أن اللله خلقآدم على صورته، وطوله ستون ذراعا"فالمقصود، أن الله خلق، آدم على صورته الأولى، حيث طوله ستون ذراعا. لأن الله لايمكن أن يشبه خلقه"ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. (نفس المصدر ص:41) ."