تجذّر الفكر الحنبلي و تأصل في بغداد أيام أحمد بن حنبل [1] ، ثم عرف من بعده حركة نشطة استهدفت جمعه و تدوينه و نشره في القرنين الثالث، و الرابع الهجريين [2] /9 - 10م. و في القرن الخامس الهجري /11م، اكتمل المذهب [3] الحنبلي، و حقق انتشار واسعا، بفضل فقهائه الذين تولوا القضاء [4] ووعاظه الذين كسبوا القلوب [5] . و أثريائه الذين نصروه بأموالهم [6] و رجاله الذين دافعوا عنه بحماس [7] . و لنفوذ أتباعه القوي في عهده الخليفتين القادر بالله (381 - 422 هـ /991 - 1030م) . و القائم بأمر الله (422 - 467 هـ/1030 - 1074 م) اللذين مكنا له في دولتهما، و أيداه تأييدا مطلقا [8] في وقت فقد فيه المعتزلة، و الشيعة الدعم السياسي [9] ، و كان أمر الأشعرية ضعيفا [10] .
و يعتقد المستشرق جولد تزهير، أن الأشعرية [11] حققت انتصارا في بغداد، على حساب المعتزلة و الحنابلة في القرن الخامس الهجري
(1) عندما توفي أحمد بن حنبل، ترك من خلفه أصحابه وو لديه، عبد الله و صالح و هم الذين تولوا نشر مذهبه في حياته و من بعده.
(2) عن عملية التدوين انظر البحث الأول المتعلق بحياة الإمام أجمد و أعماله.
(3) يعد القاضي أبو يعلى، ألمع شخصية علمية شهدها القرن الخامس الهجري /11م و هو الذي مهد فروع مذهب الحنابلة (إبن كثير: المصدر السابق - ج12، ص: 94 - 95)
(4) عن هؤلاء أنظر: خالد كبير علال: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ص: 87
(5) أشهرهم إبن سمعون (ابن خلكان: المصدر السابق - ج4، ص: 304) و القاضي أبو يعلى الفراء كان يحضر مجالسه آلاف الناس من مختلف شرائح المجتمع (أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق ج2، ص: 94 - 95) .
(6) كأبي منصور بن يوسف، و ابن جردة و ابن رضوان و عنهم أنظر: خالد كبير علال: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ص: 105.
(7) كابي محمد البريهاري و أتباعه، و الشريف أبي جعفر و رفاقه، و عن ذلك أنظر: نفس المرجع، ص: 115.
(8) حين أصدر الإعتقاد القادري القائمي، بما يولفق إعتقاد الحنابلة، و جعلاه مذهبا رسميا للدولة، و من جهة أخرى قمعا خصوصا الحنابلة، و أصحاب الحديث و عن ذلك أنظر: نفس المرجع، ص: 145 و ما بعدها.
(9) في عهديهما لعنت الأشعرية و المعتزلة و الشيعة، و عن ذلك خالد كبير علال: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ص: 116، و قد كان اعتقادهما موجها أساس ضد هؤلاء ( George Makdisi: Ibn aqil -P:308)
(10) عن ذلك خالد كبير علال: الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ص: 144.
(11) يرى هنري لاوست أن الأشعرية تحولت إلى مدرسة في القرنين 4 و 5 الهجريين، لكنها كانت أبعد ما تكون من استقطاب أئمة المسلمين و حصولهم على إجماعهم حولها، و قد وجد من المالكية و الشافعية مممن أعلن انه على مذهب أحمد بن حنبل، و من أنصاره في مجال العقيدة، و في المقابل، وجد كثير من الشافعية من أيد الأشعرية و نصرها بقوة. ( Ibn Taimiya - op.cit-p:15)