{وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا} : أي وجَرَتْ السُفن بريحٍ طيبة، وفرح رُكَّابها بهذه الريح الطيبة: {جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} أي جاءت هذه السُفن ريحٌ شديدة {وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} : أي وأيقنوا أنّ الهلاك قد أحاط بهم: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} : أي أخلصوا الدعاءَ للهِ وحده، ونَسوا ما كانوا يَعبدون من دونه، فقالوا: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} يارب {مِنْ هَذِهِ} الشدة التي نحن فيها {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} : أي سنكونُ مِن الشاكرينَ لك على نِعَمك، فلا نُشرِك بك ولا نَعصيك.
الآية 23: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ} اللهُ من الأهوال والشدائد: {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} يعني إذا هم يُفسدون في الأرض بالظلم وبالمعاصي، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} يعني إنما عاقبة ظُلمكم ومَعاصيكم راجعةٌ على أنفسكم، فإنكم تُمَتَّعون {مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الزائلة {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ} {فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، ثم نحاسبكم على أعمالكم.
? فالعبدُ لابد أن يَعلم أنه مهما طالَ عُمره، فإنه سيَرجع يومًا إلى ربه، ليَسأله على الصغير والكبير، على كل نعمةٍ وكل ذنب، ألاَ فلْيُعِدّ جوابًا لسؤال المَلِك القهار، وذلك بكثرة الحمد والاستغفار، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} ، وقال تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} ، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} .
الآية 24: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وما فيها مِن زينةٍ وأموال وغير ذلك: {كَمَاءٍ} أي كَمَثَل مطر {أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} أي فنَبتتْ بهذا المطر أنواع كثيرة من النباتات التي نَمَتْ وازدهرتْ حتى اشتبك بعضها ببعض، وأثمرتْ الكثير مِن مُختلَف الحبوب والثمار {مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ} .
{حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} : أي حتى إذا ظهر حُسْنُ وبهاء هذه الأرض (المزروعة) ، ونضجتْ ثمارها {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} : أي ظن أهل هذه الأرض أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها: {أَتَاهَا أَمْرُنَا} : أي جاءها قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات والثمار {لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا} : أي جعلنا هذه النباتات والأشجار محصودة مقطوعة لا شيءَ فيها {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} : يعني كأنها لم تكن قائمة على وجه الأرض بالأمس {فكذلك يأتي الفناء على دُنياكم، فيُهلِكها اللهُ تعالى في لحظةٍ خاطفةٍ من ليلٍ أو نهار} .