? وقد خَصَّ سبحانه جزاءَ المؤمنين بقوله: {بالقِسط} أي بالعدل، مع أنّ الجزاء كله عدل - بل ربما كانت الزيادة في ثواب المؤمنين فضلًا زائدًا على العدل - وذلك لإشعار المؤمنين بأنّ جزاءهم قد استحقوه بما عملوا، وليس تفَضُّلًا منه سبحانه عليهم، وهذا مِن أعظم الكرم.
? واعلم أنه سبحانه قد خَصَّ شراب الحميم بالذِكر - من بين أنواع العذاب - لأنه أكْرَه أنواع العذاب على النفوس، ولأنهم سيكونون - لِشِدَّة عطشهم - في أشد الحاجة إلى الماء، فيَضطروا إلى شُربه رغم سخونته وغليانه، فيكونُ ذلك ذلًا وإهانةً لهم، واللهُ أعلم.
الآية 5: {هُوَ} سبحانه {الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} (والفرق بين الضياء والنور: أن الضياء هو الضوء الصادر مِن مصدره مُباشرَةً، فيكون الجسم مُضِيء بذاته، وأما النور: فهو الضوء المنعكس عن مصدر معين، فالقمر ليس مُنيرًا بذاته، بل بانعكاس ضوء الشمس عليه، ولعل هذا يُفسر قوله تعالى: {فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} ، فآية الليل هي القمر، فجعله اللهُ تعالى مُظلمًا، وجعل آية النهار - وهي الشمس - مضيئة، فاستفاد القمر من ضيائها فأصبح مُنيرًا، واللهُ أعلم.
{وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} : أي جعل للقمر منازل يَسيرُ فيها، (والمراد بالمنازل هنا: المواقع التي يَظهر فيها القمر في كل ليلة من الشهر، وهي ثمانية وعشرون مَنزلة، يَنتقل فيها القمر مِن هلال إلى بدر، ثم يعودُ إلى هلال مرة أخرى، وهكذا) .
? وقد فَعَلَ سبحانه ذلك {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} إذ إنه بالقمر تُعرَفُ الأيام والشهور، وبالتالي يتم حساب السنين، {مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ} : أي ما خَلَقَ اللهُ تعالى الشمس والقمر إلا لِحِكمةٍ عظيمة (لأنّ عظمة هذه المخلوقات تدل على عظمة خالقها وكمال قدرته) ، (وما فيها من الانتظام والإتقان والإحكام يدل على كمال حِكمته) ، (وما فيها من المنافع الضرورية لِخَلقه يدل على سِعَة رحمته بالخلق، وعلى سِعَة عِلمه بمصالحهم، وأنه الإله الحق الذي يَجب أن يُعبَد ولا يُعبَد غيره) ، {يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ} أي يُبَيِّن سبحانه الحُجَج والأدلة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي يَعلمونَ الحِكمة من إبداع الخلق، فلذلك يَتَّبعون الحق - بمجرد ظهوره - ولا يَتَّبعونَ أهوائهم.
الآية 6: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} مِن الطُول والقِصَر، والظلمة والنور، وتعاقبهما بأن يَخلُف كلٌّ منهما الآخر، {وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} من عجائب المخلوقات، وما