إن من أكثر المسائل أو القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا بين النحاة وأنشأت خلافًا شديدًا بين الدارسين في القديم والحديث، فأثرَت البحث النحوي واللغوي بصفة عامة - قضية النيابة أو التناوب في المعنى، خاصة بين ما يسمى"حروف المعاني"، وذلك على اختلاف أنواعها. فالحقيقة أن وضع حرف مكان حرف، أو استعمال حرف بمعنى حرف آخر، كان موضع خلاف كبير وجدل شديد بين النحاة، فعلى حين قصر جمهور البصريين هذه المسألة على ما سُمِع منها، فلم يتعدّوه ومنعوا القياس عليه، توسّع الكوفيون فيه كثيرًا فأجازوا استعماله والقياس عليه [1] .
ولعل المنطق أو الحجة التي كانت تحكم المانعين لهذه المسألة من البصريين كانت تنطلق من أن الأصل هو استعمال كل حرف فيما وضع له، وإلا بطلت المعاني وأفضى ذلك إلى اللبس وإلى إسقاط فائدة الوضع [2] ، أو أنها كانت تعرّج على ما قرره بعض اللغويين من استحالة أن يختلف اللفظان ويتفقا في المعنى الواحد، ومن إنكار لمسألة الترادف اللغوي [3] ، وهو الأمر الذي لا يمكن في ظله أن ينوب حرف عن حرف، أو أن يقع حرف مكان آخر إلا في النادر الشاذ الذي لا يعوّل عليه، فهؤلاء يرون أن من أهم ما يميز العربية هي تلك الحدود المعنوية الدقيقة التي تتسم بها كل مفردة عن الأخرى، والتي يستحيل معها أن يقع الترادف التام أو التطابق الكامل بين المفردات، خاصة فيما بين"حروف المعاني"؛ لأن هذه الحروف - فضلا عن توزعها على مجموعات، تدور كل مجموعة منها حول وظيفة واحدة، أو معنى عام يندرج تحته كل أفراد هذه المجموعة، نحو: حروف الجر، وحروف العطف، وحروف النفي، إلى غير ذلك - فإنما يبقى بعد ذلك أن لكل حرف منها في إطار المجموعة الواحدة معنى محددًا يستعمل فيه بأصل الوضع، ومن ثم فلم يكن لحرف أن ينوب عن حرف أو أن يقع حرف مكان آخر.
لكن المنطق الآخر في الإجازة والقياس - وهو المذهب الكوفي - كانت حجته ما ورد في الواقع اللغوي الموروث من نصوص مختلفة في القرآن والشعر والنثر، تُسوّغ عنده هذا المسلك وتُجوّز له القياس عليه، هذا فضلًا عما كان يتسم به هذا المذهب الكوفي أيضًا من منطق التوسع الذي كانوا يميلون إليه، والمرونة التي كان يُبدونها في الاستعمال اللغوي، والتي كانت تحكم فكرهم في البحث والنظر النحوي.
(1) ... انظر: الجنى الداني في حروف المعاني، للمرادي، ت: د. فخر الدين قباوة، ومحمد نديم فاضل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 - 1992 م، ص 46.
(2) ... انظر: إعراب القرآن، لأبي جعفر النحاس، ت: زهير غازي زاهد، عالم الكتب - لبنان، ط 3 - 1988 م، 3/ 443، واللباب في علل البناء والإعراب، للعكبري، ت: د. عبد الإله النبهان، دار الفكر - دمشق، ط 1 - 1995 م، 1/ 424.
(3) ... انظر: الفروق اللغوية، لأبي هلال العسكري، ت: محمد إبراهيم سالم، دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع - القاهرة، دون تاريخ، ص 24.