بالفاء أيضًا من قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} [البقرة: 58] .
ومنه في الخبر أيضًا قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15] ، فمن النحاة والبلاغيين من يرى أن الواو في قوله تعالى (وقالا) بمعنى الفاء؛ لأن هذا المقام مقام الفاء، فهو كقولك: أعطيته فشكر، قال الزمخشري:"فإن قلت: أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك: أعطيتُه فشكر، ومنعتُه فصبر؟ قلت: بلى، ولكنَّ عَطْفَه بالواو إشعارٌ بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيءٌ من مواجبه، فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد [1] ، فالمعنى إذن على إرادة التعقيب والتسبب، والتقدير: ولقد آتيناهما علمًا، فعملا به وعلّماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، وقالا الحمد لله. ويؤيد هذا الوجه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقًا بعمل القلب، وهو العزم على فعل الطاعة، وبعمل الجوارح، وهو الاشتغال بالطاعات [2] ."
من معاني فاء العطف الثابتة لها بأصل الوضع - عند جمهور النحاة - الترتيب والتعقيب والسببية، أما الترتيب والتعقيب فلازمان لا يفارقانها، وأما السببية فغالبة وكثيرة فيها إذا كانت عاطفة للجملة أو المفرد الصفة [3] . والمقصود بالترتيب: تأخر المعطوف عن المعطوف عليه، سواء في المعنى والزمن أو في اللفظ والذكر، فالترتيب نوعان معنوي وذكري. أما التعقيب فالمراد به: وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه باتصال وبلا مهلة، وهو في كل شيء - كما يقول النحاة - بحسبه. وأما السببية فمعناها: أن يكون المعطوف سببًا في المعطوف عليه، ولهذا المعنى استعيرت للربط في جواب الشرط. هذا هو المطرد الشائع في استعمال الفاء عند عامة النحاة واللغويين، بيد أن من النحاة والمفسرين من نسب إليها - كما سيأتي - معاني أخرى ليست لها في الأصل، وإنما تجيء فيها نائبة عن غيرها من حروف العطف، وكان من أشهر ما قيل أنها تنوب عنه حرفان: الواو، و (ثم) ، وهذا ما نتناوله بالدراسة والمناقشة لبيان ما له من صدى في ضوء النص القرآني، وذلك في المبحثين الآتيين:
-في نيابة الفاء عن الواو:
ذهب الكوفيون - ووافقهم بعض البصريين - إلى أن الفاء قد تجيء لمطلق الجمع، كالواو تمامًا، فلا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا، وقيّد ذلك الجرمي بالأماكن والمطر على وجه الخصوص [4] ، نحو قولهم: عفا
(1) ... انظر: الجامع لأحكام القرآن 7/ 261.
(2) ... انظر: البحر المحيط 1/ 383.
(3) ... الكشاف للزمخشري 3/ 357.
(4) ... انظر: مفاتيح الغيب للرازي 24/ 159.