والمتتبع لآيات القرآن الكريم الناظر في أساليبه يجد أن لهذا المسلك في استعمال الواو بمعنى الفاء ونيابتها عنها صدى في كثير من تراكيبه واستعمالاته، سواء بعد الخبر أو الطلب بالاستفهام أو بغيره؛ حيث حمل كثير من النحاة والمفسرين الواو في مواضع كثيرة من القرآن على أنها بمعنى الفاء لسبب من المعنى. فمن وقوعها بهذا المعنى بعد الطلب بالتمني - في رأي بعضهم [1] - قوله تعالى: {فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27] ، بنصب كل من (نكذب) و (تكون) بأن مضمرة في القراءة المشهورة؛ إذ بقاء الواو على معناها من الجمع والمعية يُدْخِل الأمور الثلاثة في التمني، وهذا ما استبعده بعضهم، لأن التمني يتعلق بالمستحيل وهو الرد والعودة إلى الدنيا، أم اعدم التكذيب والإيمان فليس مما يستحيل ولا يندرج تحت التمني، وإنما كلاهما مترتب أو نتيجة للرد بعد العلم بالحق، ومن ثم فالواو هنا بمنزلة الفاء، كما في قوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 58] ، ومما يؤيد ذلك ويقويه قراءة ابن مسعود وابن أبي إسحاق:"فلا نُكَذب"بالفاء منصوبًا في موضع الواو [2] .
ومن حملها على هذا المعنى أيضًا بعد الطلب بالاستفهام قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] ؛ إذ النصب في المضارع (ويذرك) يتخرج على أحد وجهين؛ أحدهما: أنه منصوب بـ (أن) مضمرة على أنه جواب الاستفهام، وحينئذ تكون الواو - كما يرى بعضهم [3] - نائبة عن الفاء وبمنزلتها، على إرادة التعقيب والتسبب، والثاني: أنه معطوف على (ليفسدوا) ، أي ليفسدوا وليذرك. وإذا كان المقصود هو ترتّب ترك موسى لفرعون وآلهته - في ظنهم - على ترك فرعون له، كان الأول أقرب وأرجح.
أما وقوعها بمعنى الفاء بعد الخبر، فمنه قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] ؛ حيث يرى بعض النحاة والمفسرين أن الواو هنا بمعنى الفاء [4] ؛ إذ المعطوف بها هو المتأخر في الزمان، وهو المعنى الكثير الغالب فيها، والدليل على أنها بمعنى الفاء هنا ما جاء في سورة الأعراف من قوله تعالى: {وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [الأعراف: 19] ، مع أن القضية واحدة، وكذلك ما جاء في سورة البقرة
(1) ... انظر: التحرير والتنوير 21/ 261 - 262.
(2) ... انظر: المقتضب للمبرد 2/ 25، ومعجم قواعد العربية (معجم النحو) ، للشيخ عبد الغني الدقر، إشراف أحمد عبيد، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 3 - 1986 م، باب الواو.
(3) ... انظر: مفاتيح الغيب للرازي 12/ 159، واللباب في علوم الكتاب 8/ 93 - 94، والبحر المحيط 4/ 106، وروح المعاني للألوسي 7/ 128 - 129.
(4) ... انظر: البحر المحيط 4/ 106.