سرد عددًا من التأويلات المختلفة - بقوله:"وهذه الأقوال لا يمكن معها العطف إلا على تأويل أن تكون الواو بمعنى أو" [1] .
ومنها أيضًا قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5] ؛ حيث لا يمكن أن يجتمع قتل المشركين مع أخذهم الذي يعني الأسر على سبيل الاسترقاق أو الفداء، ولكن المراد - والله أعلم - جواز الأسر بدل القتل والتخيير بينهما، فالواو في (وخذوهم) للتخيير بمعنى (أو) . وهي كذلك بمعنى (أو) في قوله تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} [التوبة: 12] ؛ لأنه إذا حصل أحد هذين الفعلين اللذين هما: نكث الإيمان، والطعن في الدين، كان حصول أحدهما موجبا لقتال هؤلاء، دون مصالحة أو عهد أو هدنة [2] .
ودفعًا لما قد يتوهم من المنافاة بين الجزم بالكفر من جهة والشك من جهة أخرى في قوله تعالى: {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9] ، ذهب بعض المفسرين إلى أن الواو في الآية بمعنى (أو) ، أي: أن أحد الأمرين لازم، والمعنى: أنا كفرنا جزمًا ويقينًا بما أرسلتم به، فإن لم نجزم ونتيقن فلا أقل من أن نكون شاكّين مرتابين فيه [3] . وكذلك الحال في قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] ؛ حيث يرى بعض العلماء والمفسرين أن الإخبار بأنهم إخوانٌ وموال كناية عن الإرشاد إلى دعوتهم بأحد هذين الوجهين، ومن ثم فالواو للتخيير بمعنى (أو) ، وتقدير المعنى المراد: فإن لم تعلموا آباءهم فادعوهم إن شئتم بإخوان، وإن شئتم ادعوهم موالي، إن كانوا كذلك، وهذا من باب التوسعة على الناس [4] .
-في نيابة الواو عن الفاء:
من الاستعمالات الأخرى كذلك التي أثبتها بعض النحاة للواو أنها قد تجيء بمعنى الفاء في إفادة التعقيب والتسبب، سواء في الخبر أو الطلب [5] ، فإذا قلت: أعطيته وشكر، فإن مثل هذا التركيب يحتمل أن يكون المراد منه هو مجرد الإخبار عما حصل ووقع فقط، ومن ثم تكون حينئذ الواو على بابها وأصلها من الدلالة على مطلق الجمع، كما يحتمل أيضًا أن يكون المراد منه هو الدلالة على التعقيب والتسبب، وعليه تكون الواو فيه نائبة عن الفاء وبمنزلتها.
(1) ... انظر: معالم التنزيل (تفسير البغوي) 2/ 161، واللباب في علوم الكتاب 6/ 163 - 164.
(2) ... انظر: مفاتيح الغيب للرازي (التفسير الكبير) 14/ 152، والبحر المحيط 3/ 352 - 353.
(3) ... البحر المحيط 3/ 353.
(4) ... انظر: التحرير والتنوير 10/ 130.
(5) ... انظر: اللباب في علوم الكتاب 11/ 347، وروح المعاني للألوسي 13/ 194.