عنهم بأنهم مائة ألف، بناء على ما يحرُزُ [1] الناس من غير تعمق، مع كونه تعالى عالمًا بعددهم وأنهم يزيدون، ثم أخذ - تعالى - في التحقيق، فأضرب عما يغلط فيه غيره بناءً منهم على ظاهر الحزر، أي: أرسلناه إلى جماعة يحزرهم الناس مائة ألفٍ، وهم كانوا زائدين على ذلك [2] .
ومن هذا القبيل المحتمل أيضًا قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77] ؛ إذ من اللغويين والمفسرين من حمل (أو) في هذه الآية على أنها للإضراب بمعنى (بل) ، وهو ما رفضه آخرون زاعمين أنها على بابها وأصل وضعها، ثم أعملوا فيها سهام التأويل والتقدير منعًا لتوهم ما قد يقتضيه ظاهر الآية من الشك، تعالى الله عز وجل عن ذلك؛ فقيل: إنها للإبهام على المخاطب، وقيل: إنها للشك المصروف إلى السامع، على سبيل الحكاية عنه، إلى غير ذلك من أقوال [3] . وقد رجح الرضي أنها للإضراب؛ وذلك - كما يرى:"بناءً على ما يقول الناس في التحديد، ثم أضرب عمَّا يغلطون فيه، في هذه القضية إنْ قالوا ذلك، وحقَّق وقال:"أو هو أقرب"، أي: بل هو أقرب" [4] ، وهذا ما أكده الطاهر بن عاشور أيضًا بقوله:"و (أو) في (أو هو أقرب) للإضراب الانتقالي، إضرابًا عن التشبيه الأول بأن المشبّه أقوى في وجه الشبّه من المشبّه به، فالمتكلم يخيل للسامع أنه يريد تقريب المعنى إليه بطريق التشبيه، ثم يعرض عن التشبيه بأن المشبه أقوى في وجه الشبه، وأنه لا يجد له شبيهًا فيصرح بذلك، فيحصل التقريب ابتداء، ثم الإعراب عن الحقيقة ثانيًا" [5] .
ونظير ذلك أيضًا (أو) في قوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] ؛ حيث حملها كثيرون على أن (أو) فيها للإضراب، كما حملها الزجاجي على هذا المعنى أيضًا في قوله تعالى: {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف: 19] [6] .
الواو - كما تقرر لدى النحاة - هي أصل حروف العطف، أو هي أمّ الباب كما يقولون؛ وذلك لكثرة استعمالها من جهة، واختصاصها بأمور ليست لغيرها من جهة أخرى. وهي تدل على إشراك الثاني فيما دخل فيه الأول مطلقًا، أو على الاجتماع في الفعل من دون تقييدٍ لحصولهِ بترتيب أو معية؛
(1) ... انظر: الصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس، ت: السيد أحمد صقر، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الزخائر، العدد (99) ، 2003 م، ص 209.
(2) ... أي: يقدرونه تقديرًا مبنيًا على التخمين والحدس، وتصريفه: حَزَرَ يَحْزُرُ ويَحْزِرُ، حَذْرًا.
(3) ... انظر: شرح الرضي على الكافية 4/ 396.
(4) ... انظر: البحر المحيط 5/ 505، واللباب في علوم الكتاب 12/ 127.
(5) ... شرح الرضي على الكافية 4/ 396 - 397.
(6) ... التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس، 1997 م، 14/ 230 - 231.