الصفحة 14 من 33

ما لم يدعُ داعٍ إلى الترك والتحول"- قائلا:"وذلك أنها على بابها من الشك، ألا ترى أنه لو أراد بها معنى (بل) ، فقال: بل أنت في العين أملح، لم يفِ بمعنى (أو) في الشك؛ لأنه إذا قطع بيقين أنها في العين أملح، كان في ذلك سرفٌ منه ودعاءٌ إلى التهمة في الإفراط له، وإذا أخرج الكلام مخرج الشك كان في صورة المقتصد غير المتحامل ولا المتعجرف. فكان أعذب للفظه وأقرب إلى تقبل قوله" [1] ."

ومن الثاني - وهي المواضع التي تحتمل فيها (أو) أن تكون للإضراب بمعنى (بل) ، وهي كثيرة في القرآن الكريم - قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] ؛ وهذا مذهب الفراء في الآية؛ حيث قال:"وكذلك تفعل العرب في (أَوْ) ، فيجعلونها نسَقًا مُفرِّقةً لمعنى ما صلحت فيه (أحَدٌ) و (إِحْدَى) ، كقولك: اضرب أحدهما زيدًا أو عمرًا، فإذا وقعت في كلام لا يراد به أحدٌ وإن صلحت، جعلوها على جهة (بل) ؛ كقولك في الكلام: اذهب إلى فلان أو دَعْ ذلك فلا تبرح اليوم، فقد دلك هذا على أن الرجل قد رجع عن أمره الأول، وجعل (أو) في معنى (بل) ؛ ومنه قول الله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 14] [2] ، وقال كذلك:"أو ها هنا في معنى (بل) ، كذلك في التفسير مع صحته في العربية [3] ، كما حكى أبو ح. ان أيضًا عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنها في الآية على هذا المعنى [4] .

وقد تقدم أن ثمة تأويلاتٍ أخرى في الآية السابقة لجأ إليها كثير ممن رفض مبدأ التناوب بين الحروف على الجملة، ثم أنكر - على وجه الخصوص - أن تجيء (أو) في هذه الآية أو غيرها بمعنى (بل) ؛ لأنه سيفضي في رأيهم إلى محال، وهو نسبة النسيان أو الخطأ إلى الله تعالى الله عز وجل عن ذلك؛ وذلك من جهة أن (بل) لما كانت للإضراب عن الأول والإيجاب لما بعدها، لم تكن لتأتي - كما يرى هؤلاء - إلا بعد غلط أو نسيان [5] . وهذا الكلام ردود عليه من جهتين: الأولى: أن الإدعاء بأن (بل) لا تأتي إلا بعد خطأ أو نسيان، هو محض خطأ، كما يقول ابن فارس [6] ؛ لأنها قد تعني مجرد الخروج من شيء إلى شيء آخر، والثانية: أنّ الإضراب إنما جاز في كلامه تعالى في هذه الآية - كما يقول الرضي -:"لأنه أخبر"

(1) ... المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، لأبي الفتح بن جني، ت: على النجدي ناصف، والدكتور عبد الحليم النجار، والدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي، إصدار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة، 1994 م، 1/ 99.

(2) ... الخصائص 2/ 458.

(3) ... معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، ومحمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 3 - 1983 م، 1/ 72.

(4) ... انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 393.

(5) ... انظر: البحر المحيط 7/ 360.

(6) ... انظر: إعراب القرآن للنحاس 3/ 442 - 443، والجامع لأحكام القرآن 15/ 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت