الصفحة 5 من 33

ويبدو أن هذا المذهب الأخير قد توافر له من النصوص ما يحقّق له قدرًا من القبول في الاستعمال، هذا بالإضافة إلى ما يمكن أن يقدمه من فرص في التوظيف الدلالي عن طريق هذا التوسع في استعمال الحروف ونيابة بعضها عن بعض؛ لأنه لا يمكن أن يُتصوّر أن يخرج حرف عن الاستعمال المنوط به بأصل الوضع إلى استعمال آخر نيابة عن غيره، من دون أن يكون لذلك فائدة معينة أو دلالة خاصة، سواء أدركناها أو لم ندركها.

وفي هذا الإطار يأتي موضوع هذا البحث الذي جاء بعنوان"التناوب في المعنى بين حروف العطف: دراسة في القرآن الكريم"؛ حيث لاحظنا أن أيًّا من الدراسات السابقة التي تناولت فكرة التناوب أو ظاهرة النيابة - على كثرتها وتنوعها - لم تخصّ حروف العطف بدراسة مستقلة، وذلك على حد علمنا، ومن ثم فقد آثرنا أن نتناول هذه الظاهرة في حروف العطف، وأن نخصها ببحث مستقل نهدف فيه إلى رصد مظاهرها في الاستعمال القرآني، ومتابعة مواضعها المختلفة، ومناقشة آراء النحاة والمفسرين فيها، واشهر ما تحققت فيه من حروف العطف، ثم بيان القرائن أو المعاني المختلفة التي قد تشهد بهذا التحول في المعني، وكذلك الوقوف على دلالاته وأسراره المختلفة ما أمكن ذلك. ويبقى أن نشير في النهاية إلى أن ما رُوِي عن أئمة اللغة والنحو الثقات، وكثرت شواهده، فلا ينبغي العدول عنه أو رفضه وتأويله بما قد يبعُد ويضعُف.

هذا وقد فرضت طبيعة هذا البحث أن تأتي الدراسة في إطار أربعة مباحث، تشتمل في مجموعها على ما وقفت عليه من حروف عطف قد تحققت فيها هذا المسلك من التناوب، ويشتمل كل مبحث منها على مطلبين، وهذه المباحث الأربعة هي:

المبحث الأول: نيابة (أو) عن حرفي العطف الواو و (بل) .

المبحث الثاني: نيابة الواو عن حرفي العطف (أو) والفاء.

المبحث الثالث: نيابة الفاء عن حرفي العطف الواو و (ثم) .

المبحث الرابع: نيابة (ثم) عن حرفي العطف الواو والفاء.

من المقرر لدى جمهور النحاة ومحققيهم أن المعنى الأصلي الموضوعة له (أو) العاطفة إنما هو الدلالة على أحد الشيئين أو الأشياء؛ لأن مبناها على عدم الاشتراك، بيد أنه قد يتفرع عن هذه الدلالة الأصلية معانٍ أخر تستفاد أو تستمد من القرائن السياقية المختلفة، كالتخيير، والإباحة في الطلب، والشك، والإبهام، والتقسيم أو التنويع، أو غيرهما، في الخبر [1] . ومن جملة هذه المعاني الفرعية التي قد تدل عليها (أو)

(1) ... انظر: الجنى الداني ص 231، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لجمال الدين بن هشام، ت: د. مازن المبارك، ومحمد علي حمد الله، دار الفكر للطباعة، والنشر، ط 1 - 1998 م، ص 79، وما قبلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت