الصفحة 25 من 33

تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا [الزمر: 21] ؛ إذ جاء العطف بالفاء أولًا في (فسلكه) ؛ لما كان جريان الماء في الينابيع متصلا بإنزال الماء ومعاقبًا له مباشرة بلا مهلة، ثم عدل النص القرآني عن ذلك فعطف بـ (ثم) فيما تلا ذلك من مراحل خلق النبات وتطوره؛ لما كانت هذه المراحل تفصل بينها فترات زمنية متباعدة.

وقد يكون الداعي إلى استعمال الفاء بدلًا من (ثم) في الآية السابقة - كما ذكر ابن عاشور [1] - هو الإشارة إلى أن مدة نضارة الحياة للأشياء إنما تشبه المدة القصيرة، فاستعير لعطف جملة (فجعله غثاء) الحرفُ الموضوع لعطف ما يحصل فيه حكم المعطوف بعدَ زمن قريب من زمن حصول المعطوف عليه، ويكون ذلك من قبيل قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24] .

يرى جمهور النحاة أن المعنى الذي تستعمل فيه (ثم) العاطفة بأصل وضعها للغوي هو الترتيب بمهلة، أي: الترتيب مع التراخي، والإيذان بأن الثاني إنما يجيء بعد الأول بمهلة. وأما ما أوهم خلاف ذلك أو ما جاء في ظاهره من النصوص على خلاف هذا المعنى، فإنما يُتَأوَّل ليتناسب مع هذه الدلالة المبنية على الكثير الشائع في استعمال هذا الحرف [2] . وإذا كان هذا هو مذهب الجمهور، فإن من النحاة - على ما سيأتي - مَنْ خالف هذا المذهب ونسب إلى الفاء من المعاني ما يخالف هذه الدلالة المشهورة؛ وذلك بناء على ما ورد لديهم وصح عن العرب من نصوص لغوية فصيحة، وكان من أهم هذه المعاني المنسوبة إلى الفاء معنيان: أحدهما أن تكون بمعنى الواو، فلا تفيد ترتيبًا، والثاني: أن تكون بمعنى الفاء، فلا تفيد مهلة ولا تراخيًا، وهذا ما نتناوله هنا بالدراسة والمناقشة في ضوء النص القرآني الكريم، وفي إطار هذين المطلبين الآتيين:

-في نيابة (ثم) عن الواو:

ذهب بعض النحاة إلى أن (ثم) قد تستعمل بمعنى الواو، فلا تفيد الترتيب ولا يلزمها هذا المعنى، خاصة في عطف الجمل، وإنما تكون فقط لمطلق الجمع كالواو [3] . وقد استدل هؤلاء على هذا المسلك في استعملا (ثم) بعدد من الشواهد الشعرية، منها قول الشاعر:

(1) ... انظر: شرح التسهيل 3/ 354، والجنى الداني ص 62، والبرهان في علوم القرآن 4/ 295 - 296.

(2) ... انظر: البرهان في علوم القرآن 4/ 295، وشرح الأشموني 3/ 138.

(3) ... انظر: التحرير والتنوير 30/ 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت