فالفاء في هذا البيت لا تفيد الاتصال والتعقيب، وإنما تدل على المهلة والتراخي بين المعطوف والمعطوف عليه.
وفي القرآن الكريم آيات عدة قد حملت فيها الفاء على أنها بمعنى (ثم) في الدلالة على المهلة والتراخي عند كثير من النحاة والمفسرين، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ} [المؤمنون: 14] ، فالفاءات الثلاث في (فخلقنا العلقة) وفي (فخلقنا المضغة) وفي (فكسونا) - في رأي كثير من النحاة والمفسرين [1] - بمعنى (ثم) في الدلالة على المهلة والتراخي؛ وذلك لتراخي معطوفاتها؛ والدليل على ذلك العطف بـ (ثم) في جميع مراحل خلق الإنسان في قوله تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج: 5] ، وكذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا} [غافر: 67] .
ومن المواضع الأخرى كذلك التي قيل فيها بمجيء الفاء بمعنى (ثم) قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63] ؛ إذ يرى ابن مالك أن الفاء في (فتصبح) بمعنى (ثم) في الدلالة على المهلة [2] ؛ وذلك لأن اخضرار الأرض لا يتصل مباشرة بإنزال الماء ولا يعقبه، وإنما يحتاج ذلك أو يستلزم فترة طويلة من الزمن. وقد حاول الرافضون لهذا المسلك في الفاء تأويل الآية بما لا يخرج الفاء فيها عن بابها من الدلالة على الترتيب والتعقيب، فأجابوا عنها بعدد من الوجوه: منها أن (فتصبح) معطوف على جملة محذوفة، والتقدير: أنبتنا به، فطال النبت، فتصبح. ومنها أن الفاء في الآية للسببية، وفاء السببية لا تستلزم التعقيب، أو أنها على بابها من التعقيب، بيد أن التعقيب إنما يكون في كل شيء بحسبه.
ونظير هذه الآية السابقة قوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [الأعلى: 4 - 5] ؛ حيث يرى بعض النحاة أن الفاء في (فجعله) بمعنى (ثم) ونائبة عنها [3] ؛ وذلك من جهة أن جعْلَ المرعى غثاء أحوى - أي: أسود من شدة اليبس - لا يعقب الإخراج مباشرة، وإنما يستلزم ذلك مدة زمنية طويلة. وإذا كان بعضهم يحمل هذه الآية أيضًا على العطف على جملة محذوفة، تقديرها: فمضت مدة فجعله غثاء، فإن التوجيه الأول في رأيي هو الأرجح؛ بدليل قوله تعالى: - في موضع آخر: أَلَمْ
(1) ... انظر: شرح التسهيل 3/ 354، والجنى الداني ص 62، والمغني ص 168، والهمع 3/ 195 - 196.
(2) ... البيت للفرزدق، انظر: ديوانه، بشرح وضبط الأستاذ: علي فاغور، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 - 1987، ص 471.
(3) ... انظر: شرح التسهيل 3/ 354، والمغني ص 168، والبرهان في علوم القرآن 4/ 295، وهمع الهوامع 3/ 195 - 196.