الصفحة 23 من 33

القرب، تالٍ للتدلي ناتجٌ عنه. كما ذهب الفراء في توجيه ذلك إلى أنه لما كان معنى الفعلين واحدًا، أو كالواحد، جاز تقديم أيهما على الآخر [1] ، فيقال: دنا فقرُب، وقَرُب فدنا، كما يقال: شتمني فأساء، وأساء فشتَمَني؛ لأن الإساءة والشتم شيء واحد، فدخول الفاء هنا - إذن - ليس موجبًا للافتراق، بل قد تكون الفاء بمعنى الواو. وإذا كان من المقرر لدى النحاة أن عطف المرادف هو من خصائص الواو، ففي هذا دليل على كون الفاء هنا بمعنى الواو.

ومن الآيات الأخرى التي يمكن أن تُحْمَل فيها الفاء على أنها بمعنى الواو قوله تعالى: {قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} [هود: 70 - 71] ؛ لأنه إذا ما حملنا الضحك في هذه الآية على حقيقته المعروفة المتبادرة إلى الذهن، أو على أنه بمعنى التعجب من هذه البشرى لكبر سنها وسن زوجها؛ بدليل الآية التالية، على ما ذكر جمهور اللغويين والمفسرين [2] ، فإن الفاء في (فبشرناها) سوف لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا؛ لأن الأصل أن الضحك على كلا المعنيين السابقين مترتب على البشارة، وأن البشارة متقدمة في المعنى على الضحك بهذين المفهومين [3] . أما إذا حملنا الفعل (ضحكت) على أن معناه: حاضت، كما يرى بعض العلماء؛ إذ الضحك من أسماء الحيض، فالفاء على بابها من الدلالة الترتيب والسببية. والتوجيه الأول عندي هو الأقرب والأرجح؛ بدليل تقدم البشارة وتأخر الإقبال والصكّ على الوجه المعطوفين بالفاء من الدالة على الترتيب والتعقيب في قوله تعالى: {قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [الذاريات: 28 - 29] ، مع أن القصة في السورتين واحدة.

-في نيابة الفاء عن (ثم) :

كذلك ذهب جماعة من النحاة - منهم ابن مالك [4] - إلى أن الفاء قد تقع موقع (ثم) فتكون للمهلة، لا الاتصال والتعقيب، واستدلوا على ذلك بعدد من الشواهد، منها قول الشاعر:

إذا مِسْمَعٌ أعطتك يومًا يمينه ... فعدت ضدًا عادت عليك شمالها [5]

(1) ... انظر: الجامع لأحكام القرآن 7/ 162، والجنى الداني ص 62، والمغني ص 168.

(2) ... انظر: الجامع لأحكام القرآن 17/ 89، واللباب في علوم الكتاب 18/ 162.

(3) ... انظر: معاني القرآن للفراء 3/ 95.

(4) ... انظر: جامع البيان في تأويل القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط 1 - 2000 م، 15/ 390 - 392، والكشاف للزمخشري 2/ 388، والجامع لأحكام القرآن 9/ 66، والبحر المحيط 5/ 243.

(5) ... انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 22، والجامع لأحكام القرآن 9/ 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت