الصفحة 22 من 33

مكان كذا فمكان كذا، وإن كان عفاؤهما في وقتٍ واحد، ونزل المطر بمكان كذا فمكان كذا، وإن كان نزوله في وقت واحد. واستدلوا على ذلك بما ورد من نحو قول الشاعر:

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل [1]

فالفاء في (فحومل) في موضع الواو؛ لأن البينيّة - كما تقدم - تقتضي العطف بالواو، قال بعضهم:"ولولا أن الفاء بمعنى الواو لفسد المعنى؛ لأنه لا يريد أن يصيره بين الدخول أولًا، ثم بين حومل، وهذا في الشعر كثير [2] ."

ورفض المانعون هذا الشاهد وأمثاله وتأولوا كل ما ظاهره مجيء الفاء بمعنى الواو؛ منعًا للخلط والتداخل بين الحروف، فأجابوا عن هذا الشاهد السابق بأن في البيت حذفًا، والتقدير: بين مواضع الدخول فمواضع حومل.

وعلى هذا النحو جرى السجال بين المؤيدين والمانعين حول هذا المسلك في الفاء في كثير من الآيات القرآنية الكريمة، ومن هذه الآيات - على سبيل المثال - قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] ؛ لأنه لما كان البأس سابقًا في الوجود على الإهلاك، واقعًا قبله، وهو في الآية مؤخر عنه، ذهب بعض النحاة - ومنهم الفراء [3] - إلى جواز أن تكون الفاء في الآية لمطلق الجمع كالواو، فلا تفيد الترتيب، وأن المعنى على تقدير: أهلكناها وجاءها بأسنا. وأجاب المانعون عن ذلك بعدة أجوبة [4] : منها أن الآية على تقدير محذوف، والمعنى: وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، وعليه فالفاء على بابها من الدلالة على الترتيب المعنوي، إذ مجيء البأس تال لإرادة الإهلاك. ومنها أن الفاء في الآية للترتيب الذكرى الذي منه عطفُ مفصلٍ على مجملٍ، هو هو في المعنى، كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} [الواقعة: 35 - 36] ، وهذا مما تنفرد به الفاء.

ومن هذه الآيات أيضًا قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 8] ، والمقصود - على أحد الوجوه - جبريل عليه السلام، فقد ذهب بعض النحاة والمفسرين إلى أن الفاء في (فتدلى) بمعنى الواو؛ لأنها لا تفيد الترتيب [5] ، والتقدير: ثم دنا وتدلى؛ إذ التدلِّي، وهو النزول، سابق على الدُنُوَ، سببٌ له، والدنو، وهو

(1) ... انظر: شرح التسهيل 3/ 352، والجنى الداني ص 61 - 64، والمغني ص 167 - 169.

(2) ... انظر: الجنى الداني ص 63، والمغني ص 168.

(3) ... البيت لامرئ القيس في معلقته، انظر: ديوانه، ت: الأستاذ مصطفى عبد الشافي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 5 - 2004 م، ص 110.

(4) ... الصاحبي لابن فارس ص 143.

(5) ... هذا وإنْ كان الفراء قد وجه أيضًا استعمال الفاء في الآية بوجه آخر، وهو أن البأس والإهلاك لما كانا يقعان معًا في حال واحدة، كما تقول، أعطيتني فأحسنت، فلم يكن الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله، وإنما وقعا معًا - استجيز ذلك، فلما تلازما لم يبال أيهما قدم في الرتبة. انظر: معاني القرآن للفراء/ 371، 372.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت