إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جدهُ [1]
وكذلك قول الآخر:
سألت ربيعة من خيرها ... أبا ثم أما؟ فقالت: لمه؟ [2]
فمن الواضح أن (ثم) في كلا البيتين السابقين لا تدل على الترتيب وتأخر ما بعدها عما قبلها، أقله على الترتيب المعنوي في الحكم والزمن. بيد أن الرافضين لهذا المسلك قد حملوا (ثم) في مثل هذا الاستعمال على أنها لترتيب الإخبار لا الحكم والزمن، وأنه يقال: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب، أي: ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب، كما حملوها على غير ذلك [3] . وبعيدًا عن التأويل والتقدير فإن الظاهر القريب أن (ثم) في البيتين بمعنى الواو.
ولم يقتصر أصحاب هذا المذهب في الاستدلال على مذهبهم هذا على الشعر فقط، وإنما قد امتد ذلك إلى القرآن الكريم أيضًا، فاستندوا إلى كثير من الآيات التي حملوا (ثم) فيها على أنها بمعنى الواو، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6] ؛ لأنه لما كان خلق بني آدم متأخرًا في الواقع عن خلق زوجته حواء، لزم أن تكون (ثم) في الآية بمعنى الواو، وألا تفيد الترتيب؛ والدليل على ذلك مجيء العطف بالواو بدلا من (ثم) في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] ، والموضوع واحد. لكن المانعين لهذا المسلك قد أجابوا عن ذلك بجملة من الوجوه [4] : أشهرها - كما سبق: أن (ثم) في الآية لترتيب الإخبار لا الحكم والوجود، أو أنها للترتيب في المنزلة.
ومنه قوله تعالى: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} [الأنعام: 153 - 154] ؛ لأنه لما كان نزول التوراة على موسى عليه السلام سابقا لنزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، قيل بأن (ثم) في الآية جاءت نائبة عن الواو، والمعنى: وآتينا موسى الكتاب. ورفض ذلك آخرون وتأولوا الآية على أكثر من وجه، فقيل: إنها على تقدير: ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد، وقيل: إنها على تقدير العطف على الفعل (أئل) المتقدم، والمعنى: قل تعالَوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم، ثم أتلُ ما آتينا موسى، كما قيل: إن (ثم) للترتيب
(1) ... انظر: الجنى الداني ص 426، والمغني ص 126.
(2) ... انظر: الصاحبي في فقه اللغة ص 215، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير، لأحمد بن محمد المقري الفيومي، المكتبة العلمية - بيروت، دون تاريخ، 1/ 84، والجنى الداني ص 427، والمغني ص 126، والهمع 3/ 195.
(3) ... البيت لأبي نواس (الحسن بن هانئ) ، انظر: ديوانه، دار صادر - بيروت، دون تاريخ، ص 222. والرواية في الديوان هي: قُل لمن ساد ثم ساد أبوه ... قبله ثم قد ساد قبل ذلك جده.
(4) ... البيت لم أعثر له على قائل، وهو بلا نسبة في: الصاحبي في فقه اللغة ص 215.