الإخباري المستدعِي لتأخُر الثاني عن الأول باعتبار أن الألفاظ المنقضية تنزل منزلة البعيد، أو باعتبار توسط جملة"لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [1] ، ولعله لا يخفى ما في هذا القول الأخير من التكلف والافتعال."
ومن هذه الآيات أيضًا قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ} [الأعراف: 11] ؛ وذلك تبعًا للرأي القائل بأن الخلق والتصوير إنما ينصرفان إلى ذرية آدم عليه السلام، لا إلى آدم نفسه، فهو خطاب عام لجميع بني آدم، وهذا هو الظاهر القريب. بيد أنه يترتب - على هذا الوجه - إشكال في العطف بـ (ثم) الثانية؛ لأن المولى عز وجل قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل خلق بنيه وذريته، وهو ما يتعارض مع دلالة (ثم) الوضعية على الترتيب، ومن هنا ذهب بعض العلماء إلى القول بأن (ثم) الثانية بمعنى الواو، فلا تفيد الترتيب، في حين أجاب آخرون عن هذا الإشكال بأن (ثم) الثانية هي للترتيب في الإخبار لا في الحكم والزمان. وأما من ذهب إلى أنها على بابها من الدلالة على الترتيب في الحكم والزمان فقد تأول الخطاب في الفعلين (خلقناكم) و (صورناكم) وحمله على أكثر من وجه؛ وذلك حتى يتناسب مع الدلالة الوضعية لهذا الحرف، ولا يخرجه عن بابه [2] .
وكذلك حملت (ثم) في قوله تعالى: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46] ، على أنها بمعنى الواو؛ أي: والله شاهد على تكذيبهم وعنادهم؛ لأن شهادة الله تعالى غير حادثة؛ إذ يستحيل عليه جل شأنه أن يكون شاهدًا بعد أنْ لم يكن كذلك، هذا وقد تأولها كثيرون على أنها لترتيب الإخبار، أو أنها للترتيب في الرتبة والمنزلة، أو أنها من قبيل إقامة العلة مقام العلول؛ إذ التقدير: ثم نعذبهم لأن الله شهيد على ما يفعلون [3] .
كما حملت أيضا في قوله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 3] ؛ على أنها قائمة مقام الواو، وأن المعنى على تقدير: وتوبوا إليه. وهذا ما ذهب إليه بعض النحاة والمفسرين [4] ؛ وذلك استنادًا إلى أن الاستغفار والتوبة إنما هما بمعنى واحد، فالاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار. أما المانعون فبعضهم تأول الآية على أن المراد بالاستغفار في الآية: التوبة عما وقع ومضى من الذنوب، وأن المراد بالتوبة: الاستغفار عما يقع منها في الحال والاستقبال، في حين ذهب بعضهم الآخر إلى التفريق بين التوبة والاستغفار، بأن الاستغفار: هو ترك المعصية وطلب الغفران، والتوبة: هي الرجوع إلى الطاعة والندم على الذنب مع العزم على عدم العَوْد، وثمة بَوْنٌ بعيد بين انقطاع العبد إلى الله تعالى بالكلية وطلب المغفرة.
(1) ... انظر: المغني ص 127، والهمع 3/ 195، وشرح الأشموني 3/ 139.
(2) ... انظر: الكشاف 4/ 115، والمغني ص 127، وشرح الأشموني 3/ 139.
(3) ... انظر: الجامع لأحكام القرآن 7/ 143، وروح المعاني للألوسي 8/ 59.
(4) ... انظر: الجامع لأحكام القرآن 7/ 167 - 169، والبحر المحيط 4/ 272، واللباب في علوم الكتاب 9/ 27، وروح المعاني للألوسي 8/ 86.