ومن ذلك أيضًاَ قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] ؛ لأن الهداية لما كانت سابقة على ما تقدم ذكره في هذه الآية، ذهب بعض العلماء إلى أنها بمعنى الواو. في حين أن بعضهم قد تأولها على أن المعنى تقديره: ثم دام على الهداية وثبت على ما ذكر من التوبة والإيمان والعمل الصالح، ولم ينكث، كما تأولها آخرون على أن (ثم) للترتيب في الرتبة والمنزلة لا الحكم والزمن، وأنها قد استعيرت للدلالة على التباين بين الشيئين في المنزلة، كما كانت للتباين بين الوقتين في الحدوث [1] . ونظير هذه الآية قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] ؛ لأنه لما كان الإيمان هو السابق على ما ذكر من العتق والصدقة المتقدمين، وأنه لا يثبت عمل صالح إلا به، قيل بأن (ثم) في الآية بمعنى الواو، أي: وكان هذا المُعْتِق الرقبة والمُطْعِم في المسغبة من الذين آمنوا. ولم يرتض الجمهور هذا الوجه وتأولوا الآية بما لا يُخرِج (ثم) عن بابها وما وضعت له في الأصل، فذهب بعضهم إلى أن المراد: ثم داوَمَ على الإيمان، وذهب آخرون إلى أن (ثم) للتراخي في الرتبة والتباعد في المنزلة والفضيلة بين الإيمان من جهة، والعتق والصدقة من جهة أخرى؛ لأن الإيمان بعبد المنزلة عن فك الرقبة والإطعام، بل لا نسبة بينه وبينهما [2] .
وعلى هذا النحو دار الخلاف بين العلماء حول معنى (ثم) في كثير من الآيات الأخرى، والتي لم يكن ليسعنا في هذا المقام أن نتناولها جميعًا بالدراسة، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 198 - 199] . وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] ، وقوله تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 7 - 9] ، وقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18 - 19] ، إلى غير ذلك.
في نيابة (ثم) عن الفاء
من الاستعمالات الأخرى كذلك التي رصدها بعض النحاة لحرف العطف (ثم) - أنها قد ترد بمعنى الفاء، فلا تفيد التراخي بين المتعاطفين، وإنما يكون ما بعدها متصلا بما قبلها مباشرة بلا مهلة أو تراخ، بدليل ما يقال من نحو: أعجبني ما صنعتَ اليومَ ثم ما صنعتَ أمسِ أعجبُ؛ لأن ثم في هذا القول لترتيب
(1) ... انظر: الصاحبي في فقه اللغة ص 215، والمصباح المنير 1/ 84، وشرح الرضي على الكافية 4/ 390، والبحر المحيط 5/ 164.
(2) ... انظر: الجامع لأحكام القرآن 9/ 3، وشرح الرضي على الكافية 4/ 389، واللباب في علوم الكتاب 10/ 431، وروح المعاني للألوسي 11/ 207.