الصفحة 29 من 33

الإخبار، ولا تراخي أو مهلة بين الإخبارين، وهذا رأي الفراء ووافقه ابن مالك وجماعة آخرون [1] . وقد استدل هؤلاء على ذلك بعدد من الشواهد، لعل من أشهرها قول الشاعر:

كهزِّ الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب [2]

أي: فاضطرب؛ إذ الهز متى جرى في أنابيب الرمح يعقبه الاضطراب ولا يتراخى عنه. قال ابن مالك:"فثم هنا واقعة موقع الفاء التي يعطف بها مفصل على مجمل؛ لأن جريان الهز في الأنابيب هو اضطراب المهزوز، ولكن في الاضطراب تفصيل، وفي الهز إجمال [3] ، كما علق ابن هشام أيضًا على هذا البيت قائلا:"والظاهر أن ثم فيه واقعة موقع الفاء" [4] ."

أما عن هذا المسلك اللغوي في القرآن الكريم فيمكن تلمّسه في بعض الآيات، ومنها - على سبيل المثال - قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40] ؛ لأنه إذا ساغ العطف بـ (ثم) مع الموت والإحياء؛ لكونهما متراخيين في الوجود عن الخلق، فلا مسوغ له مع الرزق؛ لأنه على خلاف ذلك؛ إذ هو متصل بالخلق مباشرة في الوجود، معاقبٌ له بلا تراخ، مقترن به بلا مهلة، وعلى هذا تكون (ثم) الأولى قائمة مقام الفاء ونائبة عنها. أما عن وجه إيثار (ثم) واستعمالها هنا في موضع الفاء، فربما يرجع - في رأيي - إلى مراعاة حال الرزق وطبيعة وجوده ونزوله؛ وذلك من جهة أنه لمّا كان ينزل موزَّعًا على عمر الإنسان، مقسمًَّا على فترات حياته المختلفة، فيوجد متفرقًا منجمًا، لا دفعة واحدة - كان بعضه معاقبًا متصلًا، وبعضه الآخر متراخيًا متأخرًا، وكان غالب حاله التأخر، ومعظم أمره التراخي وعدم الاتصال المباشر بالخلق، فلما كان الحال فيه هكذا روعي فيه هذه الحال الغالبة من التراخي وعدم الاتصال، وجيء في التعبير بما يناسبها، وهو (ثم) .

وقد جعل ابن مالك من هذا المسلك أيضًا قوله تعالى: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الأنعام: 153 - 154] ؛ وذلك بناء على أنها في هذه الآية - وفقا لرأيه ولما يراه كثيرون - للترتيب في الإخبار، لا في الحكم والوجود، والترتيب في الإخبار لا تراخي فيه ولا مهلة، وإنما هي أخبار متصلة من حيث الذكر والحديث فقط.

(1) ... انظر: الكشاف للزمخشري 3/ 81، والبرهان في علوم القرآن 4/ 266، والتحرير والتنوير 16/ 276.

(2) ... انظر: الجامع لأحكام القرآن 20/ 71، وشرح الرضي على الكافية 4/ 389، والبرهان في علوم القرآن 4/ 267.

(3) ... انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 415، وشرح التسهيل 3/ 355، والجنى الداني ص 427، والمغني ص 127، والهمع 3/ 196، وشرح الأشموني 3/ 138.

(4) ... البيت لأبي الإيادي، انظر: ديوان حميد بن ثور الهلالي وبه بائية أبي داؤد الإيادي، ت: د. عبد العزيز الميمني، الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة، 1965 م، ص 43. وقد صححت فيه نسبة القصيدة إلى أبي داؤد. والرُّدَيْنيّ: الرمح، والعجاج: الغبار أو التراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت