الصفحة 13 من 33

فالمعنى عندهم على تقدير: بل زادوا ثمانية، بل أنت في العين أملح، على الترتيب.

هذا وقد نُسِب إلى سيبويه [1] أنه أجاز هذا المسلك في (أو) لكن بشرط أن تقع بعد نفي أو نهي، وأن يتكرر العامل معها، نحو: ما قام زيدٌ أو ما قام عمرو، ولا تضرب زيدًا أو لا تضرب عمرًا، على معنى: بل ما قام عمرو، وبل لا تضرب عمرًا. ولعل ما يؤيد نسبة هذا المذهب إلى سيبويه هو أنه قال:"ألا ترى أنك إذا أخبرت فقلت: لست بشرًا أو لست عمرًا، أو قلت: ما أنت ببشرٍ أو ما أنت بعمرو، لم يجيء إلى على معنى: لا بل ما أنت بعمرو، ولا بل لست بشرًا [2] ، وكذلك تعقيبه على قوله الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] - بقوله:"ولو قلت: أو لا تطع كفورًا انقلب المعنى" [3] ، يعني أنه يصير إضرابًا عن النهي الأول، ونهيًا عن الثاني فقط."

وإذا ما تتبعنا هذا المسلك من التحول في دلالة (أو) ومجيئها للإضراب في النص القرآني - وهو محور حديثنا - فإننا سنجد أن ثمة مواضع قد وردت فيها (أو) وهي بمعنى (بل) ، وذلك على سبيل الرجحان في بعض هذه المواضع، وعلى سبيل الاحتمال والجواز في بعضها الآخر، فمن الأول قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100] ، وذلك في قراءة أبي السَّمَّال العدوي بسكون الواو من (أوَ) [4] ؛ حيث تخرجت الآية - على هذه القراءة - لدى كثير من النحاة على أن (أو) فيها للإضراب والخروج من كلام إلى آخر، والمعنى: بل كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم. قال ابن جني - معقبًا على هذه القراءة -:"فإذا كان كذلك كانت (أو) هذه حرفًا واحدًا، إلا أن معناها معنى (بل) للترك والتحول، بمنزلة أم المنقطعة، نحو قول العرب: إنها لإبلٌ أم شاءٌ، فكأنه قال: بل، أهي شاءٌ؟ فكذلك معنى (أو) ها هنا و (أو) هذه التي بمعنى (أم) المنقطعة - وكلتاهما بمعنى (بل) - موجودة في الكلام كثيرًا [5] ."

وإذا كان ابن جني قد ذهب إلى أن (أو) في هذه الآية - على هذه القراءة - للإضراب بمعنى (بل) ورجح ذلك وقواه، فإننا نراه يضعف القول بهذا المسلك في قول الشاعر (أو أنتِ في العين أملحُ) من البيت السابق؛ وذلك من جهة المعنى والبلاغة في التعبير عن المراد، لا من حيث المبدأ في جواز هذا المسلك وثبوته، وقد ساق ذلك في خصائصه - تحت باب سماه"في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول"

(1) ... البيت لذي الرُّمَّة، انظر: ديوان، قدم له وشرحه: أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 - 1995 م، ص 49، وذكر الشارح أنه في محلقات ديوانه.

(2) ... انظر: المغني ص 76، والهمع 3/ 305، وشرح الأشموني 3/ 157.

(3) ... الكتاب، لسيبويه، ت: عبد السلام هارون، دار الجبل - بيروت، ط 1، دون تاريخ، 3/ 188.

(4) ... انظر: الكتاب 3/ 188، والمغني ص 76.

(5) ... انظر: الكشاف 1/ 197، البحر المحيط 1/ 492، ومختصر شواذ القرآن، لابن خالويه، مكتبة المتنبي - القاهرة، ص 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت