والتردد، بمعنى أن فرعون قد نزّل نفسه منزلة الشاكّ المتردد في أمر موسى - مع معرفته بأنه رسول حقًا - تمويهًا على قومه [1] .
كما ذهب جماعة - ومنهم أبو عبيدة [2] أيضًا - إلى أنها بمعنى الواو في قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 27] ؛ وذلك منعًا لتوهم ما قد يقتضيه ظاهر الكلام من نسبة الشك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وتردّده في الخبر، وعلى هذا تكون الآية من باب اللف والنشر المرتّب، فيكون قوله تعالى (لعلى هدى) راجعًا لقوله (إنّا) ، وقوله (في ضلال) راجعًا لقوله (إياكم) ، وذلك على ما يقتضيه العقل ويحكم به المنطق، والتقدير: وإنا لعلى هدى وإياكم في ضلال مبين، فأخبر عن كلِّ بما يناسبه. ورد بعضهم هذا الوجه بناء على أنه لا حاجة ملحة تلجئ إليه، ولا ضرورة تدعو إلى إخراج (أو) عن أصلها، وغنما هي على بابها من الإبهام، وأن هذا الكلام إنما هو جارٍ على ما تستعمله العرب وتتخاطب به في مثل هذا، وذلك إذا لم يُرِد المخبر أن يُبين، وهو عالم بالمعنى، وهذا ما يسميه أهل البيان الاستدراج، وذلك كأن يقول قائل لصاحبه: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وأن صاحبه كاذب [3] .
-في نيابة (أو) عن (بل) :
كذلك يرى الكوفيون أن من الاستعمالات الجائزة والسائغة في (أو) أن تجيء للإضراب بمعنى (بل) مطلقًا، دون قيد أو شرط، ووافقهم على ذلك كثير من النحاة [4] ، وقد احتجوا لهذا المسلك بعدد من النصوص اللغوية الواردة عن العرب، ومنها قول الشاعر:
ماذا ترى في عيال قد برمت بهم ... لم أحص عدتهم إلا بعداد
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتلت
وكذلك قول الآخر:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح [5]
(1) ... انظر: إعراب القرآن للنحاس 4/ 246، والجامع لأحكام القرآن 17/ 50، والبحر المحيط 8/ 139، واللباب في علوم الكتاب 18/ 93، وروح المعاني للألوسي 27/ 15.
(2) ... انظر: مجاز القرآن 2/ 148.
(3) ... انظر: الجامع لأحكام القرآن 14/ 298 - 299، والبحر المحيط 7/ 268، واللباب في علوم الكتاب 16/ 59 - 60، وروح المعني للألوسي 22/ 140.
(4) ... انظر: شرح التسهيل 3/ 363، والجنى الداني ص 229، والمغني ص 76، والهمع 3/ 204 - 205، وشرح الأشموني على ألفية ابن مالك، ت: طه عبد الرءوف سعد، المكتبة التوفيقية - مصر، دون تاريخ، 3/ 156 - 157.
(5) ... البيتان لجرير، انظر: ديوانه، إصدار دار بيروت للطباعة والنشر - بيروت، 1986 م، ص 123.