الصفحة 11 من 33

حُكِي عن بعضهم من قراءة الآية بالواو مكان (أو) [1] ، وهو الأمر الذي يعضّد أن تكون (أو) في هذه الآية بمعنى الواو ويقويه.

وعلى هذا المسلك أيضًا حُمِلت (أو) في قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] ، وذلك في أحد الوجوه التي تخرجت عليها الآية عند كثير من اللغويين والمفسرين؛ لأنه لما كان ظاهر الآية قد يشعر أو ينبئ بدلالة (أو) على الشك والتردد، وهو مما يستحيل على الله عز وجل ولا يليق به، تأولها بعض العلماء على أكثر من وجه، فقيل: إنها بمعنى الواو، وقيل: إنها للتنويع، بمعنى أن من القلوب ما يشبه الحجارة في القسوة، ومنها ما هو أشد، وقيل: إنها للإبهام على المخاطب وقد علم الله تعالى بها، وقيل: إنها للإضراب بمعنى (بل) ، كما قيل كذلك: إنها للشك المصروف إلى المخاطب أو السامع، إلى غير ذلك من أقوال وتوجيهات [2] . والملاحظ على هذه الأقوال أن أكثرها مبني على التأويل ويحتاج إلى التقدير، هذا فضلًا عن أن بعضها يَبْعُد ويضعف من جهة المعنى، ومن ثم فلا نرى مانعًا من حيث المعنى يمنع أن تكون (أو) في الآية بمعنى الواو؛ وذلك تجنبًا لهذا التأويل والتقدير المبالغ فيه أحيانًا، والذي يتكرر في كثير من الآيات بالأوجه السابقة ذاتها، كما في قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200] ، وفي قوله تعالى: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} [النساء: 77] .

وكذلك ذهب بعض النحاة والمفسرين - ومنهم أبو عبيدة [3] - إلى أنها بمعنى الواو في قوله تعالى: {فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 39] ، وقد احتج لهذا المسلك واستدل عليه بثبوت القولين وورودهما جميعًا على لسان فرعون وقومه، كما في قوله تعالى: {الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 109] ، وقوله تعالى: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] . ورفض آخرون هذا التوجيه ورأوا أنْ لا ضرورة تدعو إلى جعل (أو) بمعنى الواو، وإنما هي على بابها من الإبهام على السامع وقد علم فرعون أنه رسول الله حقًا، أو أنها للشك

(1) ... انظر: الكشاف عن حقائق التنزيل، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دون طبعة أو تاريخ، 4/ 64، والبحر المحيط 7/ 360.

(2) ... انظر: مفاتيح الغيب للرازي 3/ 118، والجامع لأحكام القرآن 1/ 463، والبحر المحيط 1/ 428، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للألوسي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دون تاريخ، 1/ 295.

(3) ... انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى، ت: د. محمد فؤاد سزكين، مكتبة الخانجي بالقاهرة، دون تاريخ، 2/ 227.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت