الصفحة 10 من 33

وبعيدًا عن هذه المواضع الثلاثة السابقة فإن ثمة مواضع أخرى كثيرة في القرآن الكريم، قد وردت فيها (أو) وحُمِلت - في بعض التوجيهات - لدى كثير من اللغويين والمفسرين على أنها بمعنى الواو؛ وذلك من حيث قبول المعنى لهذا المسلك فيها وتحملُّه له، ولا يسعنا في هذا المقام الضيق إلا أن نقتصر في النظر على بعضها وأن نناقش ما اشتهر منها وكثر تردُّده. ومنها قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران: 195] ؛ فقد أجاز بعضهم أن تكون (أو) في هذه الآية بمعنى الواو، واحتج لذلك أبو حيان ودلّل عليه بقوله:"لأنه لما ذَكَر (عمل عامل) دلّ على العموم، ثم أبدل منه على سبيل التوكيد، وعطف على حد الجزأين ما لا بد منه؛ لأنه لا يؤكد العموم إلا عموم مثله - فلم يكن بد من العطف حتى يفيد المجموعُ من المتعاطفين تأكيدَ العموم، فصار نظير: ما بين ملجم مهره أو سافع [1] ."

ومثل ذلك في قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: 135] ؛ حيث ذهب بعض النحويين والمفسرين إلى أن (أو) في هذه الآية بمعنى الواو؛ بديل ورود الضمير العائد (بهما) مثنى؛ وذلك على خلاف الأصل في وجوب إفراد الضمير عند العطف بـ (أو) ؛ لأنها في الأصل لأحد الشيئين أو الأشياء، كما تقدم. وقد تأول بعضهم الآية على أن المعنى على تقدير: إن يكن الخصمان، ومن ثم عاد الضمير المثنى حملًا على هذا المعنى، كما حملها آخرون على أن (أو) فيها للتفصيل [2] .

ومن هذه المواضع كذلك التي حُمِلت فيها (أو) على أنها بمعنى الواو - قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] ؛ حيث ذهب بعض النحاة واللغويين إلى أن المعنى في الآية على تقدير: إلى مائة ألف ويزيدون؛ وذلك دفعًا لِمَا قد يوحي به ظاهر الآية من الشك والتردد؛ إذ يستحيل على الله عز وجل أن يعترضه الشك أو يدخل عليه التردد في شيء من خبره. ورفض آخرون هذا التوجيه وذهبوا إلى أن (أو) في الآية إنما هي على بابها، ثم اختلفوا في معناها، فقال بعضهم: إنها للإبهام على المخاطب مع علم الله تعالى بهم وبعددهم، وقيل: إنها للتفصيل والتنويع، أي أن بعض الناس يقدرهم كذا وبعضهم كذا، وقيل: إنها للشك المصروف إلى الرائي المشاهِد لهم، وذلك على سبيل الحكاية لكلام المخلوقين، والتقدير: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة أو يزيدون، كما قيل كذلك: إنها للإضراب بمعنى (بل) ، إلى غير ذلك من أقوال [3] . ولا يخفى ما تنطوي عليه هذه الأقوال أو بعضها من التكلف الظاهر والتأويل البعيد الذي لا داعي إليه، خاصة في ظل ما

(1) ... البحر المحيط 3/ 151.

(2) ... انظر: إعراب القرآن للنحاس 1/ 495، والتبيان في إعراب القرآن 1/ 379، والجامع لأحكام القرآن 5/ 413، والبرهان في علوم القرآن 4/ 40.

(3) ... انظر: إعراب القرآن للنحاس 3/ 443، والخصائص 2/ 461، والجامع لأحكام القرآن 15/ 132، واللباب في علل البناء والإعراب 1/ 424 - 425، والجنى الداني ص 230، والبحر المحيط 7/ 360.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت