الصفحة 9 من 33

مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: 48] - ترجَّح لأجل كل هذا أن تكون (أو) بمعنى الواو في هذه المواضع.

ومن الثالث - وهو ما تقع فيه (أو) بعد النفي وشبهه - قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] ؛ حيث يرى كثير من النحاة والمفسرين ان (أو) إذا وقعت بعد النفي وشبهه صارت في معنى الواو [1] ، وصار الحكم المتعلق بطرفيها متسلّطًا على كلّ واحد منهما، وانصرف إلى كلّ من المعطوف والمعطوف عليه، سواء على سبيل الإفراد أو المعية والمصاحبة، ولمّا كان كل ذلك مرادًا في الآية الكريمة ومقصودًا؛ إذ لا يعقل غيره - عُدِل عن الواو إلى (أو) ؛ منعًا لتوهم تعليق النفي بالمجموع، لا بكل واحد، أو توهم اقتصاره على الجمع والمصاحبة بين المتعاطفين، دون الإفراد، قال الزركشي:"وإنما دُكِرت (أو) لئلا يتوهم أن النهي عن طاعة من اجتمع فيه الوصفان [2] . فالواقع أن استعمال (أو) في الآية هو أقوى في المعنى وأبلغ في الدلالة على المراد من الواو؛ لأنها تدل على ما تدل عليه الواو وتزيد في أنها تدفع ما قد تحتمله الواو في مثل هذا الموضع ويتنافى مع المعنى المراد في الآية، وهو احتمال تسلط النفي - فقط - على المعية والمصاحبة بين المتعاطفين؛ لأن من المقرر لدى محققي النحاة أن الواو بعد النفي وشبهه لا تكون نصًا في الدلالة على نفي كل واحد من المتعاطفين؛ إذ قد تحتمل أن يكون النفي متسلطًا على أحدهما دون الآخر، وذلك من جهة أنها تحتمل تسلط النفي على المعية أو المصاحبة فقط دون غيرها، أي: تعلقه بالمجموع، لا بكل واحد [3] ."

ونظير ذلك قوله تعالى: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} [الأنعام: 146] ، وقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ} [النور: 31] ، وكذلك قوله تعالى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ} [النور: 61] ؛ حيث ذهب كثير من النحاة والمفسرين إلى أن (أو) في هذه الآيات بمعنى الواو، والتقدير في الأول: أو الحوايا وما اختلط بعظم، وفي الثانية: وآبائهن، وفي الثالثة: وبيوت آبائكم وبيوت أمهاتكم [4] .

(1) ... انظر: شرح التسهيل 3/ 365، ومفاتيح الغيب (التفسير الكبير) ، للإمام فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 2000 م، 9/ 176.

(2) ... البرهان في علوم القرآن 4/ 212.

(3) ... انظر: المقتضب للمبرد، ت: محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب - بيروت، دون تاريخ، 2/ 134، وشرح الرضي على الكافية 4/ 383، ومغني اللبيب ص 246.

(4) ... انظر: التبيان في إعراب القرآن، لأبي البقاء العكبري، ت: محمد علي البجاوي، طبعة عيسى البابي الحلبي - مصر، دون تاريخ، 1/ 546، ومفاتيح الغيب للرازي 3/ 118، وشرح التسهيل 3/ 365.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت