الصفحة 8 من 33

وقريب من هذا قوله قال تعالى: {أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} [الصافات: 16 - 17] في قراءة من أسكن الواو من (أو) [1] ؛ حيث تعدّ الآية على هذه القراءة - كما يرى الخليل بن أحمد [2] - من الشواهد القاطعة على تحول (أو) إلى معنى الواو؛ وذلك من جهة ما يدل عليه المعنى في الآية من ضرورة تسلط الاستفهام على كل من المعطوف والمعطوف عليه معًا؛ إذ هذا هو مناط القدرة الإلهية من جهة، وموضع زيادة الاستبعاد من قبل هؤلاء المنكرين من جهة أخرى؛ بدليل القراءة المشهورة للآية بالواو عند الجمهور. كما يقرب من ذلك أيضًا ما يراه بعضهم [3] في قوله تعالى: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} [المرسلات: 5 - 6] من أن المعنى القريب للآية هو على تقدير: عذرًا ونذرًا؛ لأن الذكر الملقَى أو الموحَى به إنما هو لأجل الإعذار والإنذار معًا، وليس مقصورًا على أحدهما فقط، دون الآخر [4] . ولعل ما يرجح أنها بمعنى الواو ويقويه ما حُكِي من قراءة إبراهيم التيمي وقتادة للآية بالواو مكان (أو) [5] .

ومن الثاني - وهو عطف المرادف أو المؤكّد - قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 182] ، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] ، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112] ، فالراجح هنا - كما يرى ابن مالك وغيره [6] - أن (أو) في هذه الآيات ونحوها بمعنى الواو؛ لأن الإثم هو الجَنَف؛ ولأن ظلم النفس هو من عمل السوء، وكذلك الإثم فهو الخطيئة ذاتها، فلما كانت (أو) مبنية في الأصل على عدم التشريك من جهة، وكان كل من المعطوف والمعطوف عليه بمعنى واحد من جهة ثانية، وكان من المقرر لدى النحاة - من جهة ثالثة - أن عطف الشيء على مرادفه إنما هو من خصائص الواو التي تنفرد بها؛ بدليل قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] ، وكذلك قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا

(1) ... وهي قراءة أبي جعفر وشيبة وابن عامر ونافع في رواية قالون، انظر: البحر المحيط 7/ 339.

(2) ... انظر: الجمل في النحو، المنسوب للخليل بن أحمد الفراهيدي، ت: د. فخر الدين قباوة، مؤسسة الرسالة - بيروت ط 5 - 1995 م، ص 307.

(3) ... انظر: البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، ت: محمد ابو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه - القاهرة، ط 1 - 1957 م، 4/ 210.

(4) ... انظر: تتمة أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن في (جزأين) ، للشيخ عطية محمد سالم: طبع على نفقة: محمد بن عوض بن لادن)، ط 2 - 1980 م، 1/ 686، واللباب في علوم الكتاب 20/ 63.

(5) ... انظر: الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله شمس الدين القرطبي، ت: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب - الرياض، 2003 م، 19/ 156، والبحر المحط 8/ 396، واللباب في علوم الكتاب 20/ 63.

(6) ... انظر: شرح التسهيل 3/ 365، والبرهان في علوم القرآن 2/ 270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت