الصفحة 18 من 33

النحويين والمفسرين [1] إلى أن المراد من هذه الآية الكريمة ليس معنى الجمع بين عداوة كل هؤلاء معًا، وإنما المراد أن من عادى واحدًا ممن ذُكِر فإن الله عدو له؛ لأن عداوة أحد هؤلاء - فقط - حرية أو كفيلة بكفر صاحبها وموجبة لعداوة الله له؛ كما أن معاداة أحدها والكفر به - على ما أجمع علماء المسلمين - هي معاداة للجميع وكفر بهم، ولهذا كله ذهب بعضهم إلى أن الواو هنا بمعنى (أو) ، وليس المراد بها معنى الجمع أو تعلق الحكم بالمجموع فقط، وإن كان آخرون قد ذهبوا إلى أنها على بابها وأصل وضعها من الدلالة على الجمع، وأن هذا المعنى السابق إنما يُعرف بالقرينة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] ؛ إذ الكفر بأحد هذه المذكورات - أيضًا - حقيق أو جدير بضلال صاحبه، كما الكفر بالجميع تمامًا، فالحكم بالضلال في الآية لا يتعلق بالمجموع وحده، بل بالكفر بأيِّ من تلك المذكورات على حدة.

ومن هذا المسلك أيضًا قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] ؛ حيث ذهب كثير من العلماء إلى أن الواو في هذه الآية للتخيير بمعنى (أو) [2] ، وليست للجمع، وأن المعنى تقديره: مثنى أو ثلاث أو رباع؛ لأن بقاء الواو على أصلها من الدلالة على الجمع يترتب عليه جواز الجمع بين أكثر من أربع نسوة في وقت واحد، وهو ما لا يجوز بحال لأحد من الأمة، وإنما كانت الزيادة على أربع نسوة من الأمور التي يختص بها النبي صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه فيها أحد. فهي هنا بمعنى (أو) وتفيد التخيير، كما تفيد في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} [سبأ: 46] ؛ إذ الراجح لدى كثيرين هنا أنها للتخيير بمعنى (أو) . وكما تفيد التفصيل أو التقسيم، لا الجمع، في قوله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر:1] .

وعلى هذا المسلك حملت الواو كذلك في كثير من الآيات الأخرى، ومنها قوله تعالى: {أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] ؛ لأنه لما كان المراد من الآية - كما ذكر بعض النحاة والمفسرين [3] - هو إما الإهلاك وإما الطبع على القلوب، ضعف أن تكون الواو على ظاهرها من الدلالة على الجمع؛ لأنه يستحيل أن يجتمع الإهلاك مع الطبع على القلب الذي معناه أنه يختم على قلوبهم فلا يُقبلون ولا يتعظون ولا ينزجرون. ولهذا عقب أبو حيان - بعد أن

(1) ... انظر: المغني ص 347.

(2) ... البيت لكثير عزة، انظر: ديوانه، جمعه وشرحه: د. إحسان عباس، نشر وتوزيع دار الثقافة، بيروت - لبنان، 1971 م، ص 114.

(3) ... انظر: معالم التنزيل (تفسير البغوي) ، لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 هـ) ، ت: محمد عبد الله النمر وآخرين، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 4 - 1417 هـ، 1997 م، 1/ 125، ومفاتيح الغيب 3/ 181، واللباب في علوم الكتاب 2/ 315، والبحر المحيط 1/ 490.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت