الصفحة 17 من 33

تحت الجنس [1] ، فربما ينطبق على قولنا: الكلمة اسم وفعل وحرف، أما على البيت فلا يحسن، إلا إذا كان التقسيم متجهًا أو متصرفًا إلى كلمة (الناس) ؛ وذلك على تقدير: بعضهم مجروم عليه وبعضهم جارم، وهو ما لا يتناسب - في رأيي - مع سياق الكلام والمعنى المراد في البيت [2] .

والثاني: أن تكون بمعناها في الإباحة، وهذا ما ذهب إليه الزمخشري [3] ، وزعم أنه قد يقال: جالس الحسن وابن سيرين، ويراد به: طلب مجالسة أحدهما؛ لأنه لو جالسهما جميعًا أو واحدًا منهما لكان متمثلًا [4] ، ويرى أنه لأجل هذا قد قيل"تلك عشرة كاملة"بعد قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] ؛ منعًا لتوهم إرادة الإباحة.

والثالث: أن تكون بمعناها في التخيير، وقد استدل بعضهم على هذا المسلك

بقول الشاعر:

قالوا نأت فاختر لها الصبر والبكا ... فقلت البكا أشفى إذن لغلبي [5]

وذلك من جهة أنه لا يجتمع الصبر مع البكاء ومن ثم فالواو في البيت قد جاءت دالة على التخيير لا الجمع، وصارت نائبة عن (أو) في هذا المعنى. وهذا ما رفضه المخالفون وأجابوا عنه بأن الأصل في البيت هو: فاختر لها من الصبر والبكاء أي: أحدهما، ومن مجموعهما، ثم حذف حرف الجر، وهو كثير مطرد في كلام العرب.

وبعيدًا عن هذا التأويل والتقدير والأخذ والرد فالثابت أن ثمة مذهبًا نحويًا يرى أن الواو قد تخرج عن أصلها وتستعمل بمعنى (أو) ، قلّ ذلك أو كثر، وأن المعول عليه في كل هذا إنما هو المعنى والقرائن المختلفة. فإذا جئنا إلى النص القرآني لنرى مدى تحقّق هذا المسلك فيه، ومدى استعماله له في أساليبه المختلفة، فسوف نجد أن ثمة آياتٍ كثيرة متعددة قد حُمِلت فيها الواو - لدى كثير من النحاة والمفسرين - على أنها بمعنى (أو) . ومن هذه الآيات - على سبيل المثال - قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98] ؛ حيث ذهب بعض

(1) ... البيت لعَمْرو بنت براقة الهمداني في شرح الشواهد للعيني 2/ 347، 3/ 160، وبلا نسبة في المغني ص 77، والهمع 2/ 476.

(2) ... المغني ص 346.

(3) ... وكذلك فإن اعتراض ابن هشام وغيره على نيابة الواو عن أو في التقسيم بأن الواو هي أكثر استعمالًا فيه من أو، ومن ثم كان العكس أقرب - مردود بأن منطلق هذا التناوب أو مبعثه إنما هو من جهة أن لكل من الحرفين في التقسيم وجهًا؛ وذلك من حيث اجتماع الأقسام في الدخول تحت الشيء المقسَّم أو عدم اجتماعها في ذات واحدة خارجًا. انظر: الجنى الداني ص 166، والمغني ص 346، وحاشية الصبان على الأشموني 3/ 160.

(4) ... انظر: الكشاف 1/ 269.

(5) ... واعْتُرِض عليه بأن المعروف من كلام النحويين أن هذا نص في الأمر بمجالسة كل منهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت