الصفحة 16 من 45

الخلق الثاني: حُكم الجاهلية

-قال تعالى:"وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ {49} أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ {50} " (المائدة 49 - 50) .

إن الله تعالى ما أنزل شرعه إلا ليتبع ولينفذ وليكون واقعًا ملموسًا في حياة الخلق فتنجلي غشاوتهم وتزول جاهليتهم وينقشع الظلام ويسود النور فتستقيم الأمور وتنضبط جوانب الحياة فينال العباد سعادة الدارين.

ومن يريد أن يُنحي شرع الله تعالى جانبًا ويحتكم لشرائع مُتعارضة ومُتضاربة ما أنزل الله بها من سلطان فهو كمن يترك الماء العذب الرقراق ليتجرع الماء الملح الأجاج أو كمن يُعرض عن النور ليتخبط في الظلمات.

أولًا: أقوال بعض المفسرين في قوله تعالى"أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ": إن الاحتكام إلى غير شرع الله تعالى من الأمور المُستهجنة لدى علماء الأمة لأن ذلك يُنذر بتصدع الأمور وبهلاك الأمة مثلما حدث للأمم السابقة. قال تعالى:"فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {40} " (العنكبوت 40) .

1 -جاء في تفسير الإمام بن كثير رحمه الله: وقوله:"أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم اليساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون. (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت