الجزيرة العربية، وأضاء قصور بصرى الشام، وأضاء المدائن، وامتد إلى الصين شرقًا، وإلى الأندلس غربًا.
لولا المدينة المنورة لما كانت دمشق، ولا فتوحاتها ولا قادتها.
ولولا المدينة المنورة لما كانت بغداد ولا علومها ولا ثقافاتها التي نورت العالم آنذاك، في الوقت الذي كان فيه الإمبراطور شارلمان أعظم ملوك أوربا يتعلم كيف يكتب اسمه على القرطاس.
وقد كانت طلبة العلم والمعرفة تأتي من أوربا كافة إلى الأندلس لتنهل من علوم جامعاتها. نعم لقد سبقت المدينة المنورة عواصم العالم الثقافية، في القديم والحديث، فهي عاصمة العواصم.
الجزيرة العربية موطن الشعر ومنبعه، من معلقات تزدان بها المكتبات العربية والإسلامية والعالمية، ولا تزال دراسات المستشرقين تكتشف المزيد كل يوم عن خصائص هذا الشعب اللغوية والثقافية التي اختارته العناية الإلهية ليحمل رسالة السماء إلى الأرض، إلى البشر كافة، إلى الإنسانية، والمدينة المنورة مركز هذه الثقافة تفيض على الدنيا علمًا وتشع فكرًا وهداية.
ويلفع الضباب شمس المعرفة في الأقطار، ردحًا من الزمن، ويطوي الأدب صحائفه في الجزيرة العربية، ويحمل حقائبه ويهاجر. حتى إذا كان العصر الحديث، حن الأدب إلى منزعه كما تحن النيب إلى أعطانها. كان الأدب قد استوطن الشام والعراق ومصر وغيرها من الأقطار، ولكنه تنسم عبير الحياة مع نسائمها، هب عليه من موطنه الأصلي الذي ولد فيه ونشأ فيه وترعرع فيه، واستظل بسمائه ودرج على أرضه وصفا في صحرائه، فحن عاد مع عودة المعجزة على صحرائها، عودة فارس الصحراء، وباني مجدها وموحد أرجائها، عاد مع عودة الملك عبد العزيز، ليلقى مكانته مصونة بين آداب الأمم وثقافاتها.
وبعودة الأدب والفكر والشعر والثقافة، نفض هذا الأدب رأسه ليتسلم دوره في الحياة في الجزيرة العربية مهده وموطنة.
وإذا كانت الثقافة والعلوم والمعرفة جسمًا، فإن المدينة المنورة قلب هذا الجسم، قلبه النابض بالأصالة الممتدة إلى على مساحة خمسة عشر قرنًا، منذ أن نزلت أول آية من السماء إلى الأرض تقول (اقرأ) . اقرأ، تعني: افهم، فكر، تعلم، تهذب، اقرأ باسم ربك الذي خلق تعني: تحقق بعبوديتك لله الذي تقرأ باسمه، تحقق بإنسانيتك، كن خيرًا لنفسك وللبشرية، وللإنسانية، تنافس في الخيرية ...