المدينة كلهم في فض المنازعات فيما بينهم. وبهذا تكون المدينة قد انتقلت من عهد الصراع الدامي بين سكانها فيما بينهم من جهة، ثم فيما بينهم وبين القبائل المجاورة، وصارت المدينة ذات حضارة تعيش في جفون الأمن والأمان، والسلم والسلام.
ونشطت الحركة العلمية، انطلاقًا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يتنزل عليه الوحي من الله تعالى بين الفينة والفينة، فيفيض المسجد بالنور الإلهي النازل من السماء إلى الأرض، وينتشر العلم في حلقات الذكر وأنوار التنزيل. مما يجعل المسجد مورد الظمآن للعلوم والتوجيه الإلهي، يقصده أهل المدينة زرافات ووحدانًا، ويؤمه المسلمون حول المدينة المنورة.
كما أصبحت المدينة مركز النشاط المتفجر حياة وحيوية، وبناء؛ بناء النفوس وبناء الوطن، في المسجد حلقات العلم والتعليم، وفي ساحة الحياة، نشطت التجارة وقد شجع صلى الله عليه وسلم على العمل وترْك الكسل وشجع على عزة النفس.
وبعد أن توطدت أركان الدولة الإسلامية في المدينة المنورة في السنة الأولى، أنزل الله تعالى قوله (أُذِن للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير) .
في السنة الثانية للهجرة، وقعت معركة بدر، أولى غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أهمها، قال تعالى (لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) وتوالت الحروب بين الحق والباطل في غزوة أحد والخندق وما تلاهما من غزوات وحروب.
وكانت المدينة المنورة، منطلق جميع غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وما تلاها من فتوح.
وفي السنة الثامنة، عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بلده الأمين مكة المكرمة فاتحًا، ولم يبق فيها؛ إنه الوفاء بالكلمة، لقد أعطى الأنصار عهدًا ألا يتركهم إذا انتصر، وهاهو ذا ينتصر. لقد أحب الأنصار الرسول صلى الله عليه وسلم منذ رأوه فبايعوه، فقالوا له: يا رسول الله، لعلك إذا نصرك الله على عدوك أن تلحق بقومك وتتركنا، فتبسم صلى الله عليه وسلم قائلًا لهم مطمئنًا (أنا منكم وأنتم مني) . وقد أكد هذا المعنى بعد غزوة حنين: فقال في خطبة خصها الأنصار (والذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شِعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) .
وبعد أن فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، جاءت الوفود من الجزيرة العربية كلها في السنة التاسعة، إلى المدينة المنورة تعلن إسلامها. وقد أنزل الله تعالى قوله إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ