سَخِروا منهم، وقالوا: (ماذا تنفع صدقتهم هذه؟) ، {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} أي مِن هؤلاء المنافقين {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
? وفي الآية إثبات لصفة السُخرية للهِ عَزَّ وجَلَّ على النحو الذي يَليقُ بجلاله وكماله، فلا نُشَبِّهها بسُخرية المخلوق؛ لأنّ اللهَ تعالى ليس كَمِثله شيء، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته، إذ أفعاله تعالى لا تُشبه أفعال عباده، لأنّ ذاتَهُ لا تُشبه ذَواتِهم.
? واعلم أنّ كلمة (الْمُطَّوِّعِينَ) أصلها: (المُتطوعين) ، ولكنْ أُدْغِمَتْ التاء في الطاء لِقُرْب مَخرَجَيْهِما، (واعلم أيضًا أنّ المُتطوعين: هم الذين يفعلون الشيء تبرُّعًا منهم مِن غير أن يَجب عليهم) .
? ولَمَّا نزلت هذه الآيات الفاضحة للمنافقين، جاءَ بعضهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يَطلبون منه أن يَستغفر لهم، فاستغفر لهم الرسول رحمةً بهم، فأعْلَمَهُ ربّه أنّ استغفاره لهؤلاء المنافقين لا يَنفعهم، وذلك لإصرارهم على الكُفر والنفاق، قال تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} : يعني مَهما كَثُرَ استغفارك لهم وتَكَرَّر: {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (وهذا السبب يكفي، لأنهم كفروا ولم يتوبوا مِن كُفرهم، والكافر مُخَلَّد في النار عِياذًا باللهِ تعالى) ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
الآية 81، والآية 82: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ} الذين تخلفوا عن الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم {بِمَقْعَدِهِمْ} أي بقعودهم في"المدينة" {خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} : أي فرحوا بمخالفتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، {وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا} معه {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} - وذلك في غزوة"تَبُوك"التي كانت في شدة الحرِّ، {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} أي قال بعضهم لبعض: (لا تخرجوا للجهاد في هذا الحرِّ الشديد) {قُلْ} لهم - أيها الرسول: {نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أي لو كانوا يَفهمون (فإذا كانوا يخافون من الحر، فلماذا لا يَخرجون في سبيل الله حتى يَتَّقوا حر جهنم؟!) .
{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} في حياتهم الدنيا بما يَحصل لهم من المَسَرّات، {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} في نار جهنم (لِمَا يُصيبهم من العذاب، وتَحَسُّرًا على حِرمانهم من النعيم) ، وذلك {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} في الدنيا من الشر والفساد.
? واعلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واللهِ لو تعلمون ما أعلم لضَحِكتم قليلًا ولَبَكَيْتم كثيرًا، ولَخَرَجتم إلى الصُّعُدات - أي إلى الطُرُقات - تَجأرون إلى اللهِ تعالى) (أي تتضرعون إليه بالدعاء ليَدفع عنكم العذاب) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 5262) .