الآية 83: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} - أيها الرسول - مِن غَزْوَتِك {إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} أي إلى جماعةٍ من المنافقين المُصِرّين على نفاقهم {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} معك إلى غزوةٍ أخرى بعد غزوة"تَبُوك" {فَقُلْ} لهم: {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} في غزوةٍ من الغزوات {وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} من الأعداء {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} من النساء والأطفال (فهذا القول يُعَظِّم حَسْرتهم، ويَحمل لهم سَبًَّا وعَيبًا جزاءَ تَخَلُّفِهم عن الجهاد) .
? وفي الآيات السابقة دليل على أنّ الفرح بترك طاعة اللهِ ورسوله علامة من علامات النفاق، وأنّ تعمُّد تَرْك الطاعة قد يسبب الحرمان منها.
الآية 84، والآية 85: {وَلَا تُصَلِّ} - أيها الرسول - {عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ} أي مِن المنافقين {مَاتَ أَبَدًا} {وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} لِتَتَوَلَّى دَفْنَهُ وتدعو له بالرحمة والمغفرة وبالتثبيت عند السؤال كما تفعل مع المؤمنين، والسبب في ذلك: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ} أي لا تظن أنّ اللهَ قد أعطاهم ذلك كرامةً لهم، فيكون ذلك سببًا في أن تُصَلِّي عليهم، و {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا} (وذلك بالهَمّ في تحصيلها، وبالمصائب التي تقع فيها، مع عدم صَبْرِهِم على تلك المصائب، لأنهم لا يَحتسبونَ الأجرَ عند الله) .
{وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} أي: ويريد سبحانه أن تخرج أرواحهم فيموتوا على كُفرهم، لِيَنتقلوا إلى عذابٍ أبدي لا يخرجون منه، عقوبةً لهم على إصرارهم وعِنادهم مِن بعد ما تَبَيَّنَ لهم الحق.
الآية 86، والآية 87: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ} على محمد صلى الله عليه وسلم تأمُر الناس بـ {أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ} وأخلِصوا له العبادة {وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ} فإنك تَجِدُ المنافقين وقد {اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ} : أي استأذنك الأغنياء منهم في التخلف عن الجهاد {وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} أي اتركنا مع القاعدين العاجزين عن الخروج، {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} : أي لقد رَضِيَ هؤلاء الجُبَناء لأنفسهم بالعار، وهو أن يَقعدوا في البيوت مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} : أي ختم اللهُ على قلوبهم بسبب نفاقهم وتخلفهم عن الجهادِ {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} ما فيه رُشدهم وصَلاحهم.
الآية 88، والآية 89: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} {وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} أي لهم النصر والغنيمة في الدنيا، ولهم الجنة في الآخرة، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون برضا اللهِ تعالى، وقد {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ} أي حدائق وبساتين عجيبة المَنظر {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .