الصفحة 25 من 34

الآية 90: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ} : أي وجاء جماعة من سُكَّان البادية (وهم البَدْو الذين كانوا يعيشون حول"المدينة") ، فجاءوا يعتذرون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويُبَيِّنونَ له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج للجهاد {لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} في القعود (وقد يكونون معذورين حقًا، وقد لا يكونون كذلك) .

{وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : أي وقعد قومٌ آخرون بغير عُذرٍ (وهؤلاء هم مُنافقوا الأعراب الذين ادّعَوا الإيمان بالله ورسوله، وما هم بمؤمنين، بل هم كافرون منافقون) ، ولذلك قال تعالى فيهم: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

? واعلم أنّ لفظ: (المُعَذِّرون) معناه المُعتذرون، فأُدغِمَتْ التاء في الذال فصارت: (المُعَذِّرون) ، وهذا اللفظ يَصِحّ أن يكون المُراد به: (المعتذرون لأسبابٍ صحيحة) ، ويَصِحّ أن يكون المُراد به: (الذين لا عُذرَ لهم، ولكنهم يعتذرون بأعذارٍ كاذبة) ، وهذا من بلاغة القرآن الكريم، أنّ اللفظ الواحد منه يَحتمل أكثر مِن معنى.

الآية 91: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى} الفقراء {الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ} : أي الذين لا يَملكون المال الذي يَتجهزون به للخروج، فليس على هؤلاء {حَرَجٌ} أي ليس عليهم إثم في التخلف {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} : يعني إذا صَدَقوا في إيمانهم بالله ورسوله، وأخلَصوا النَيّة للهِ تعالى بأنهم لو قَدَروا لَجَاهَدوا (إذ النُصح: هو إخلاص العمل من الغِش) ، وكذلك إذا نَصَحوا المسلمين القادرين (بترغيبهم في الجهاد وتشجيعهم عليه) .

{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} : أي ليس على المحسنين - الذين مَنَعَهم العذر - مِن طريقٍ إلى مؤاخذتهم وعقابهم، (لأنهم صَدَقوا في اعتذارهم، وسَعَوا فيما يُرضِي اللهَ ورسوله وفيما يَنفع المسلمين) ، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (ومِن مَغفرتِهِ سبحانه ورحمته أنه عفا عن العاجزين، ولم يُكَلِّفهم فوق طاقتهم، بل إنه أثابهم بنيّتهم ثوابَ القادرينَ الفاعلين) ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم في غزوة"تَبُوك": (لقد تَرَكتم بالمدينةِ أقوامًا ما سِرتم مَسيرًا، ولا أنفقتم مِن نفقةٍ، ولا قطعتم مِن وادٍ إلاّ وهُم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟! قال: حَبَسهم العُذر"(انظر صحيح سنن أبي داوود: ج 3/ 12) ."

? وفي هذا دليلٌ على ما كانَ عليه الصحابة مِن الإيمان واليقين والسمع والطاعة والمحبة والولاء ورقة القلوب وصفاء الأرواح، فاللهم إنا نحبهم بِحُبِّكَ لهم، فاجمعنا معهم في جنتك ودار كرامتك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت