? ولَمَّا ذَكَرَ تعالى حال مُنافِقي المدينة، ذَكَرَ هنا حال مُنافِقي البادية (الصحراء) وذلك ليُعرَفَ المنافقون جميعًا، فقال سبحانه: {الْأَعْرَابُ} أي مُنافِقوا الأعراب هم {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} مِن مُنافِقي أهل المُدُن، وذلك لِجَفاء الأعراب وغِلظتهم، {وَأَجْدَرُ} أي: وهم أحَقّ وأقرَب {أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} من الأحكام والشرائع، فقد استحقوا ذلك الجَهل لِبُعدهم عن العلم والعلماء وعن مجالس الوعظ والذِكر (عِلمًا بأنهم لا يُعذَرونَ بِجَهْلِهم في ذلك، لأنّ عليهم أن يَتركوا البادية ويَنتقلوا إلى الحَضَر (، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بحال المنافقين جميعًا، {حَكِيمٌ} في تشريعه وفي تدبير أمور عباده.
الآية 98: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا} : يعني: مِن الأعراب مَن يَرى أنّ ما يَتصدق به أمام الناس يَعودُ عليه بالغَرامة والخُسارة (لأنه لا يرجو بصدقته ثوابًا، ولا يَدفع بها عن نفسه عقابًا) {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} : أي يَنتظر نزول المَصائب والبَلايا بالمسلمين لِيَتخلص منهم ومن الإنفاق لهم، {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} يعني: ولكنّ الهلاك والشقاء دائرٌ عليهم لا على المسلمين، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لِمَا يقولون {عَلِيمٌ} بنِيَّاتهم الفاسدة.
الآية 99: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} وما فيه من الثواب والعقاب {وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} : أي يَنوي بنفقته الوصول إلى رضا اللهِ تعالى، ويَجعل صدقته وسيلة للحصول على دعاء الرسول له، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه المؤمن بزكاته أو صدقته: يَدعو له بخير (واعلم أنّ القُرُبات: جمع قُرْبة، وهي المَنزلة المحمودة) ، {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} : يعني ألاَ إنّ هذه الصدقات تُقرِّبهم إلى اللهِ تعالى، و {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} أي في جنته {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لِمَا فعلوا من السيئات، {رَحِيمٌ} بهم.
الآية 100: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} : يعني: والذين سَبَقوا الناسَ أولًا إلى الإيمان والنُصرة والجهاد {مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} الذين هجروا قومهم الكُفار، وانتقلوا إلى دار الإسلام، {وَالْأَنْصَارِ} الذين نصروا الرسول صلى الله عليه وسلم على أعدائه، {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} - في العقيدة والأقوال والأعمال وفَهم الدين -، أولئك {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} بسبب طاعتهم للهِ ورسوله، {وَرَضُوا عَنْهُ} سبحانه لِمَا أعطاهم من الثواب العظيم، {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (ولعل نَزْع حرف الجر:(مِن) - وذلك في قوله تعالى: {تجري تَحْتَهَا} - خِلافًا لباقي مواضع القرآن الكريم: للدلالة على كثرة ماء هذه الأنهار، ولأنه سبحانه خَصَّ هذه الطائفة المذكورة في الآية بجنةٍ هي أعظم الجَنَّات ريًَّا وحُسنًا، واللهُ أعلم)، (وفي هذه الآية ثناءٌ على الصحابة رضي الله عنهم، وتَزكيةٌ لهم، ولهذا فإنّ توقيرهم من أصول الإيمان) .