الصفحة 76 من 124

إنه سؤال شغل تفكير الشاعر، شغل عقله الظاهر والباطن، الشعور وما تحت عتبة الشعور، سؤال شغل قبله فلاسفة الشعراء، وشعراء الفلاسفة: أين الحقيقة؟ هنا ينصب اللهاث والجري والعناء على الجواب، ولكن أين الجواب؟ أين الحقيقة؟ يمد الشاعر كفه ..

يمزق الدرب الطويل .. الأيام تركض .. والشاعر يركض ... أحلام تحجرت .. آمال تجوهرت .. إذا بها سراب في صحراء الحياة.

وحينما استيقظ وعي الشاعر، وفتح عيني بصيرته على واقعه، أدرك أن ما كان من لهاث مخلفًا الهجير إلى برد الظلال وخضرة المروج والمياه والتلال وبسمة الآمال .. ليس هذا هو الحقيقة، بل كان سرابًا في سراب وما أكثر ما قيل للشاعر: إن الحقيقة تسكن الجِنان

مع الكؤوس والقيان ..

والشاعر ليس قاصرًا عن أن تطول يداه هذه الرغبات كلها لو أراد، لكن هذه الرغائب فرت من يديه ... لأنها سراب.

وانقضى الربيع بأزهاره، والصيف بثماره، وجاء الخريف، خريف الآمال والأحلام، فبخر تلك الأماني الخضراء.

وبعد رحلة العناء، فاء الشاعر إلى نفسه وهو ما يزال دائبًا بحثًا عن الحقيقة حتى وجدها. وتتلهف نفوسنا إلى معرفة المكان الذي وجد شاعرنا الحقيقة فيه.

لقد وجد الحقيقة في نفسه، وجد الشاعر الحقيقة في نفس الإنسان، في داخله، في ذاته، في كينونته، فهي فيه وليست خارجة عنه؛ ليست في عرض الحياة من مال أو جاه أو كأس وغانية وقصور ومزارع وبساتين ..

وجد الشاعر الحقيقة أو سر السعادة، في النفس الإنسانية، وجد السعادة في الإيمان بالله سبحانه وتعالى يحدوه هذا الإيمان إلى الأفعال الخيرة النبيلة الشريفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت