الصفحة 80 من 124

فلو قرأت هذا الشطر قراءة عادية لما فُهم معناه. فنسق هذه الدوال مما يترنم الإنسان بإنشاده لعذوبة الأسلوب فيه.

الإيقاع والموسيقا:

القصيدة من البحر الكامل؛ من البحور الصافية ذات التفعيلات الموحدة الإيقاع: متفاعلن، ولكنه جاء هنا مجزوءًا مرفلًا: متفاعلن متفاعلاتن.

اختزل التفعيلة الثالثة ورفّل الثانية، ولهذا دلالته النفسية والبيانية، فالشاعر مستغرق في تجربته الشعورية، فاضت من وجدانه شعرًا موحد الإيقاع، جاءت الدفقة الشعورية نظرة تأملية، استخدم لها الوحدة اللغوية (حن) وحرف النون متصل نطقه بآلية التطريب بالغنة مع إدغام الحرفين، وهذه اللفظة لم يبحث عنها الشاعر، وإنما وردت لاشعوريًا رشحها له عقله الباطن ليتناسب الحنين مع ما يعبر عنه من حروف تعكس هذا المعنى، فالمعنى كما يقول الجرجاني في قلب الشاعر وجاءت الألفاظ مناسبة لها كما قال الأخطل:

لا يعجبنك من خطيب خطبة

حتى يكون مع الكلام أصيلا

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

لكن هذه الطاقة الشعورية الكامنة، يمكن أن تستوعبها طاقة بيانية محددة، وهي مجزوء الكامل، لكن المخزون العاطفي الوجداني في نفس الشاعر أعطى الدفقة الشعورية بعدًا آخر، سببه حرارة العاطفة وقوتها وعمقها وشدة تدفقها، كان يمكن أن تكون التفعيلة الثانية كافية كالشعر المجزوء في هذا البحر في قول الشاعر [1] :

بكت الحمامة لوعة سحَرًا فسالت ادمعي

أنا في الصحارى مُبعد ما الكون حولي؟ لا أعي

أو كان يمكن أن تكون التفعيلة بزيادة حرف واحد كأن يقول مثلًا:

حن الجمال إلى الجمالْ وتواثبت صور الدلالْ

وتكون التفعيلة هنا: متفاعلن متفاعلان

(1) ديوان لحن الجراح. أحمد الخاني ط 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت