تبين لنا أن التوثيق أمر مشروع في معاملات الناس وعقودهم، إلا أن التوثيق يكون واجبًا، حين يخشى على الوقف من التعدي، فالتوثيق يكون حرزًا وضمانًا لأصحاب الحقوق - سواء لصاحب الوقف، أو الجهة المنتفعة من الوقف- في حفظ حقوقهم من الضياع أو الاعتداء.
كما يكون التوثيق قاطعًا للمنازعات والخصومات التي قد تؤدي إلى ما حرمه الله من التقاطع والتدابر والتباغض، وأكل أموال الناس بالباطل، فهو هنا من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وحفظ حقوق الناس - المادية منها خاصة - واجب متعين.
يقول ابن سعدي - رحمه الله: عند آية المداينة (أمره تعالى بكتابة الديون. وهذا الأمر قد يجب، إذا وجب حفظ الحق، كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى، والأوقاف، والوكلاء، والأمناء) (3) .
وخاصة أن الله تعالى قد أمر بالكتاب والتوثيق في المعاملات المختلفة (4) .
ولا عبرة لما يعتاده أهل العصور من عدم الكتابة لحصول الثقة، والاشمئزاز من الكتابة فإنَّ هذا لا يغير الحكم الشرعي، وخاصة أن الواقع المشاهد - الذي طغت فيها المادية و ضعف فيها الوجدان، وفسدت الضمائر وكثر فيه الكذب والخيانة - يدعوا إلى تأكيد توثيق الأوقاف التي تكثر عليها العوادي، والجحود، والنكران، خاصة بعد مرور جيل أو جيلين على الوقف.
فالقول بالوجوب هنا متعين، حتم لا بد منه [1] .
كما أن التوثيق قد يكون محرمًا، أو مكروهًا، وذلك إن اشتمل الوقف على أمر محرم، أو مكروه، من ظلم، أو بدعة اعتقادية محرمة ونحوها.
(1) انظر: عبد الرحمن الدوسري:"صفوة الآثار والمفاهيم": (3/ 565) .