ففي الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له، فوهبها لي. فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بيدي، وأنا غلام، فأتى بي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا. قال:"ألك ولد سواه؟"قال: نعم. قال: فأراه قال:"لا تشهدني على جَور"وقال أبو حريز عن الشعبي"لا أشهد على جَور" [1] .
وفي لفظ"فأشهد على هذا غيري" [2] .
وقد بوب البخاري - رحمه الله - على هذا الحديث في صحيحه فقال: (باب: لا يشهد على جور إذا أشهد) [3] .
يقول ابن حزم - رحمه الله: (أن معنى قوله:"أشهد على هذا غيري"إنما هو الوعيد كقول الله تعالى: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} ليس على إباحة الشهادة على الجور والباطل لكن كما قال تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ، وكقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} و {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون} وحاش له عليه السلام أن يبيح لأحد الشهادة على ما أخبر به هو أنه جور، وأن يمضيه ولا يرده، هذا ما لا يجيزه مسلم) [4] .
وقال ابن قدامة - رحمه الله - على دلالة هذا الحديث: (هو دليل على التحريم ; لأنه سماه جورا، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي
(1) رواه البخاري: كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد: برقم: (2650) ومسلم: كتاب: الهبات، باب: كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة: برقم: (1623) .
(2) رواه مسلم: كتاب: الهبات، باب: كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة: برقم: (1623) .
(3) صحيح البخاري: (502) و انظر: ابن حجر:"فتح الباري": (5/ 213، 259) .
(4) "المحلى": (8/ 102) ، وانظر: ابن تيمية:"الفتاوى الكبرى": (4/ 181 - 182) .